مقالات الكتاب

النجاح لا يبدأ بالاستقالة

يكاد لا يمر شهر دون أن تصلني رسالة من شخص يسأل عن جدوى ترك وظيفته، والانتقال إلى مشروع مستقل. ورغم أن السؤال يبدو متعلقًا بالمال والفرص، فإنه في حقيقته سؤال عن المستقبل، وعن مقدار المخاطرة، التي يستطيع الإنسان تحملها لتغيير مسار حياته.
أتحفظ عادة في الإجابة؛ لأنني لم أخض هذه التجربة بصورتها التقليدية؛ بدأت حياتي المهنية مستقلًا. لكن سنوات ريادة الأعمال علمتني درسًا مهمًا: الاستقلال المالي لا يولد من قرار جريء، بل من استعداد طويل، والطريق إليه أقل رومانسية؛ مما تصوره الخطابات التحفيزية.
خلال السنوات الأخيرة، رسخت وسائل التواصل صورة جذابة للنجاح؛ موظف يقدم استقالته، ثم يؤسس مشروعًا ناجحًا. نرى الناجين، ولا نرى آلاف المشاريع التي تعثرت وأصحابها الذين عادوا إلى سوق العمل. وهكذا تحولت الاستقالة من قرار مهني إلى رمز للشجاعة.
في حلقة من برنامج «المئة دولار لإدارة الأعمال»، يطرح رائد الأعمال عمر زنهم رؤية أكثر واقعية. فالوظيفة- في رأيه- ليست بالضرورة عائقًا أمام ريادة الأعمال؛ قد تكون أفضل ممول لها. الدخل الثابت يمنحك الوقت لاختبار الفكرة، وفهم السوق، وبناء العملاء، دون أن يصبح مشروعك معركة يومية لدفع الفواتير.
والفكرة الجيدة وحدها لا تكفي. الأسواق لا تكافئ الأفكار بقدر ما تكافئ القدرة على تنفيذها. النجاح يعتمد على إدارة السيولة، وتحمل البدايات البطيئة، والتكيف مع السوق. لذلك قد يكون الأذكى أن يبدأ المشروع إلى جوار الوظيفة، وأن تترك للأرقام، لا للحماس، تحديد موعد الرحيل.
لكن البقاء ليس دائمًا الخيار الحكيم.
تشير الكاتبة الأمريكية بيغي كلاوس، في مقالها «متى ينبغي أن تترك وظيفتك حتى لو لم تكن لديك وظيفة أخرى؟»، إلى حالتين قد يصبح فيهما الرحيل ضرورة: عندما تهدد بيئة العمل سمعتك المهنية؛ بسبب ممارسات غير أخلاقية، أو عندما تصبح الوظيفة مصدرًا لاستنزاف مستمر لصحتك الجسدية أو النفسية.
ومع ذلك، حتى الرحيل الضروري يحتاج إلى خطة: توقيت مناسب، ومدخرات، ومراجع مهنية، وخروج يحفظ السمعة والعلاقات.
وتروي كلاوس قصة شاب يتعلم التزلج على الماء. عندما فقد توازنه ظل متشبثًا بالحبل، بينما كانت المياه تسحبه إلى الأسفل، حتى صاح من حوله: «اترك الحبل». أحيانًا يصبح التمسك أخطر من الإفلات.
وهكذا هي الحياة المهنية. ليست الاستقالة شجاعة في ذاتها، كما أن البقاء ليس فضيلة مطلقة. الشجاعة الحقيقية هي أن تعرف متى تبقى، ومتى ترحل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *