مقالات الكتاب

العقول كنوز الوطن

في زمن يركض فيه العالم نحو الجديد بسرعة غير مسبوقة، قد نقع أحيانًا في خطأ الاعتقاد؛ بأن المستقبل لا يصنعه إلا الشباب والتقنية والأفكار الحديثة، وننسى أن أعظم الاستثمارات ليست دائمًا في الأجهزة والمنشآت، بل في العقول التي راكمت المعرفة، وخاضت التجارب، وعرفت النجاح والإخفاق، وتعلمت من كليهما؛ ولهذا فإن الاستعانة بالخبراء والمتقاعدين ليست عودة إلى الماضي، بل هي طريقة أكثر ذكاءً لبناء المستقبل. التقاعد نهاية مرحلة وظيفية، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية للعطاء؛ فالخبير الذي أمضى عشرات السنين في صناعة ما، لا يخرج من موقعه، وفي يده مجرد شهادة خدمة، بل يحمل ذاكرة مؤسسية، وخبرة في اتخاذ القرار، وقدرة على قراءة التفاصيل التي قد لا تراها العين قليلة التجربة. إن هذه الثروة الوطنية التراكمية تستحق أن يكون لها حضور دائم في مجالس الإدارة، والهيئات الاستشارية ومشروعات التطوير وبرامج إعداد القيادات الشابة، ومن هنا تأتي أهمية الاستفادة من قامة مهنية؛ مثل الصديق العزيز المهندس أحمد جزار، الذي جمع بين المعرفة الهندسية والخبرة التنفيذية الطويلة، وبين الأخلاق الرفيعة والرقي الإنساني، والتواضع الذي لا يصدر إلا عن الواثق من علمه وقدراته. وقد كانت خبرته محل تقدير مؤسسات كبرى في صناعة الطيران؛ حتى استعانت به شركة بوينج في مواقع تنفيذية مهمة بعد مسيرة حافلة ارتبطت كذلك بالخطوط السعودية، وصناعة نجاحاتها وتطورها، واليوم؛ فإن وجود المهندس أحمد جزار في مجلس إدارة الناقل الوطني، يحمل معنى يتجاوز مجرد التعيين. إنه رسالة تقول: إن المؤسسات الكبرى لا تتخلى عن ذاكرتها، وإنها تعرف كيف تعيد أصحاب التجربة إلى طاولة القرار، لا ليكرروا ما فعلوه بالأمس، وإنما ليساعدوا في صناعة غد أكثر نضجًا وأمانًا وطموحًا. إن أجمل ما يمكن أن تفعله المؤسسات الوطنية هو أن تجمع طاقة الشباب مع حكمة الخبرة؛ فالشباب يملكون الجرأة والسرعة، والخبراء يملكون البوصلة التي تعرف الطريق، وعندما يلتقي الاثنان تصبح فرص النجاح أكبر، وتقل تكلفة الأخطاء، وتنتقل المعرفة من جيل إلى جيل. ألف مبارك للمهندس أحمد جزار هذه الثقة المستحقة، ومبارك لمجلس الإدارة هذا الاختيار الموفق، ومبارك للوطن أن تظل خبرات أبنائه حاضرة في مواقع صناعة المستقبل. فالعقول لا تتقاعد والخبرة لا تشيخ، والأوطان الذكية هي التي تعرف كيف تستثمر كنوزها البشرية حتى آخر قطرة من العطاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *