مقالات الكتاب

حين يجتمع السيف واليد البيضاء

تتسابق الأمم إلى تعزيز قدراتها العسكرية، وتطوير منظوماتها الأمنية، وحماية حدودها بكل ما تملك من إمكانات، وهو حق مشروع، بل ضرورة لا يستقيم أمن الأوطان إلا بها. غير أن التاريخ يخبرنا بحقيقة لا تقل أهمية، وهي أن القوة وحدها لا تصنع وطناً عزيزاً، كما أن السلاح وحده لا يبني استقراراً دائماً، فهناك قوة أخرى لا تقل أثراً، هي قوة القيم والرحمة وصناعة المعروف.
توقفت عند عبارة كتبت على صورة جندي سعودي مقاتل مدافع عن الوطن تقول:(لا خوف على أرض أطعمت الجائع، وأسقت العطشان، وكست العاري، وكفلت اليتيم؛ فصنائع المعروف تقي مصارع السوء). فوجدت أنها تختصر فلسفة بناء المجتمعات الآمنة. فحين يصبح الإحسان ثقافة، والتكافل سلوكاً، والإنسان قيمةً مصونة، فإن الوطن يكتسب حصانة لا تُقاس بالأرقام ولا تُرى بالعين، لكنها تُشعر الناس بالأمان والانتماء.
وفي وطننا الغالي تتجسد هذه المعادلة في أجمل صورها. فمن جهة، يقف رجال قواتنا المسلحة، ورجال أمننا البواسل على الثغور، ساهرين على حماية الأرض وصون السيادة، يقدمون أرواحهم فداءً لهذا الوطن دون تردد. ومن جهة أخرى، تمتد اليد السعودية البيضاء إلى المحتاج، داخل الوطن وخارجه، تحمل الغذاء والدواء والماء والأمل، دون تمييز في دين أو عرق أو لغة، انطلاقاً من مبادئ إنسانية راسخة، وقيم إسلامية أصيلة.
إنها ليست صورتين منفصلتين؛ صورة الجندي، وصورة المحسن، بل هما وجهان لحقيقة واحدة، هي أن حماية الإنسان تبدأ بحماية حياته وكرامته، وأن الأمن لا يتحقق بالسلاح وحده، بل يتحقق أيضاً حين يشعر الإنسان أن هناك من يقف إلى جواره في ضعفه وحاجته.
ولعل المملكة العربية السعودية قدمت نموذجاً فريداً في الجمع بين القوة والرحمة؛ فهي تبني جيشاً يحمي الحدود، وفي الوقت نفسه تبني جسوراً من الخير تصل إلى المنكوبين في أنحاء العالم، وتخدم ملايين الحجاج والمعتمرين كل عام، وتسابق الزمن لإغاثة المتضررين حيثما كانوا. وهذا التوازن هو سر من أسرار المكانة التي حظيت بها بلادنا في قلوب المسلمين، وفي تقدير المجتمع الدولي.
إن صنائع المعروف ليست مجرد أعمال خيرية تُؤدى ثم تُنسى، بل هي استثمار في أمن المجتمعات واستقرارها، ورسالة حضارية تؤكد أن القوة الحقيقية ليست في القدرة على رد العدوان فحسب، بل في القدرة على صناعة الأمل، وحفظ الكرامة، وبناء الإنسان. ودعم كل ما يحفظ كرامته .
وحين ننظر إلى سماء الوطن فنرى الطيار يحرسها، وننظر إلى الحدود فنجد جندياً يفديها بروحه ثم ننظر إلى أرضه فنرى الأيادي البيضاء تمتد بالعطاء، ندرك أن وطننا اختار أن يكون قوياً حين يجب أن يكون قوياً، ورحيماً حين يحتاج الإنسان إلى الرحمة.
فما أعظم وطنًا جمع بين قوة السيف، ورحمة اليد، وعدالة القيادة، وما أجمل أن يعيش الإنسان في وطنٍ يحمي حدوده، ويحفظ كرامة الإنسان، ويجعل من الخير جزءًا من هويته.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا، وأدام عليها نعمة الأمن والإيمان، وجعلها دائمًا منارةً للخير، وحصنًا للعزة، وموطنًا للسلام.(اللهم زد بلادي عزاً ومجداً وزدنا بها عشقاً وفخراً).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *