مقالات الكتاب

وردي المشاعر!

* إذا كان التميز هو تقديم نفسك بما لا يشبه الآخرين، بل ويجعلهم في حالة دهشة مستمرة؛ لما تقدمه من أعمال تختلف عن السائد، وتختار لنفسها المغايرة، فإن الفنان السوداني الراحل محمد عثمان وردي، جسّد معاني التميز في كل مراحله الفنية، وطرائق تفكيره وأسلوبه في الحياة، ومواقفه السياسية، وعندما أراد أن يقدم واحدة من أغنيات (الحقيبة) السودانية القديمة، كما يفعل عشرات المطربين، عطّر الأغنية برحيق تميزه قبل جمال صوته، لدرجة أن من يجلس أمام محرابها يعتقد أنها أغنية خاصة به؛ لما فيها من اكتمال خواص (المواكبة والعصرية)، ويستبعد السامع أن تكون تلك الأغنية واحدة من الروائع القديمة، فكل من أعطى أذنه بسخاء وإصغاء لـ(قسم بمحيك البدري)، يعرف تلك الحقيقة.
* إن كانت الموهبة كالمطر منحة لا تُستجلب، وكالنهر هبة لا تصنع، بينما يأتي صقلها عبر اكتساب المعرفة، والإلمام التام من خلال التحصيل الأكاديمي والثقافة اللازمة، والتبحر في المجال، الذي اكتشف الناس حجم موهبتك فيه، فإن وردي يمثل الموهبة في أبهى تجلياتها، ويعتبر أفضل نموذج يمكن أن تقدمه للناس؛ كدليل على تميز فنان صقل موهبته بالعلم والثقافة والاستماع، فموهبة وردي التي عرفها الجميع منذ أن رأى إبداعه النور تجسدها حنجرة تحتشد بعصافير التطريب والطلاوة، برعت في تقديم كافة أنواع وأشكال وألوان الغناء، بينما تظهر قيمة صقل الموهبة في الألحان الكبيرة، والجمل المحتشدة، والمقدمات الموسيقية، التي ميزت وردي عن سواه، فمعرفة فنان إفريقيا لمعنى ضرورة التطور الفني عبر مختلف الآليات تمثلت في سفره للقاهرة في خواتيم الستينيات، طالبًا من الموسيقار أندريه رايدر توزيع أغنية (الود) موسيقيًا، في الوقت الذي لا يزال فيه أشباح المطربين لا يعرفون قيمة التوزيع والتأليف الموسيقي، مع أنهم يعيشون في الألفية الثالثة، ويتحدثون عن التطوير، والأجيال الجديدة، والمواكبة، والقفزات، والنقلات، وضرورة إثبات الذات.
* إذا كانت العبقرية تتجاوز النبوغ بمراحل، والذكاء بمئات السنين الضوئية، وتعني تقديمك لجديد لم يألفه الناس، ولم يصنع المدهشون منهم شيئًا يشبهه على الإطلاق؛ فوردي هو أنسب اختصار لتعريف العبقرية، وإن كانت العلامة الفارقة في الفنون تتمثل في تقديم أعمال لم يسبقك عليها أحد ممن سبقوك في المجال الذي دخلته محترفًا، ولا بوسع أندادك فعل ذلك، فإن عبقرية وردي تجاوزت المفاهيم المتفق عليها، عندما قدم أعمالًا تفوقت على من سبقوه، وتجاوزت معاصريه، ولم يستطع من أتوا بعده الوصول إليها، ونشك- من واقع ما نرى- أن يفعلوا ذلك، ولو بعد عشرات السنوات، مع أننا لا يمكن أن نحكم على شيء لا يزال في علم الغيب، إلا أن (الجواب واضح من عنوانه).
* إن كان المستحيل هو القيام بما لا يمكن حدوثه، وصناعة ما لا يخطر على بال، وزراعة ما هو غير ممكن في أرض الواقع، فإن وردي فعل المستحيل و(زاد عليه بكثير)، ويكفي أن يردد الناس في حضرته (لكل شيء مقطع من جنسه حتى الحديد سطا عليه المبرد).
* الصدق يعني صدحك بالحقيقة، حتى ولو على حساب نفسك ومخاصمتك للكذب تماماً، وهكذا كان وردي صادقا في أعماله التي يغنيها، وفي اختياراته للنصوص الشعرية، وفي معايشته للأنغام وتعبيره عن الألحان، وفي حبه للفن الذي ظل راهبًا في معبده، حتى أغمض إغماضته الأخيرة أربعة عشر عامًا، ويكفي أنه كان يتواصل مع جمهوره، ويغني في الحفلات (جالساً على كرسي) بعد تجاوزه الثمانين عاماً، وذاك عمر يصعب فيه المشي على الأرض دون مساعدة، ناهيك عن الصدح بالغناء في أكبر الاحتفالات والحفلات.
* الجرأة أن تكون (زول نصيحة)، ولا تعرف الالتفاف حول الحقائق والمجاملة الزائفة و(اللف والدوران)، وهكذا كان وردي جريئًا في آرائه السياسية والفنية، وفي تقييمه لإنتاج زملائه بالساحة الغنائية، كان يقول رأيه بصراحة وجرأة متناهية، فهو لا يعرف مسك العصا من النصف، ولا يفهم نظرية (اللون الرمادي)، وكل الأشياء على صعوبتها وقسوتها تخضع عنده للونين فقط؛ إما (أبيض أو أسود)، فهو منذ ميلاده الفني وحتى رحيله كان يقول (للأعور أعور في الجرايد)!.
* أخيراً : في ذكرى ميلاد وردي الذي يمر علينا هذه الأيام، نقف عند سيرته، وجرح رحيله لا يزال أخضر، ففراغ غيابه لا يسد، وحقا (في الليلة الظلماء يفتقد بدر الغناء) ..!!
نفس أخير
* وخلف إسحاق الحلنقي نردد :
أنت يا (وردي المشاعر) يا البقيت للموجه مرسي.. كيف يقولوا عليك مفارق وأنت عايش فينا لسه؟

haythamcapo77@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *