ترددت قليلًا قبل الكتابة عن هذا الموضوع، لكنني تشجعت بعد جلسة دار فيها نقاش طويل حول سؤال يبدو بسيطًا: كيف أصبح الأثرياء أثرياء؟ المدهش أن أغلب الحاضرين اتفقوا على أن “الحظ”وحده هو السبب. أحدهم استشهد بشخص ربح اليانصيب، وآخر تحدث عن شاب اشترى عملة رقمية، فأصبح ثريًا فجأة، وكأن النجاح لا يقوم إلا على المصادفات والفرص العابرة. اعترضت على هذا الطرح، ليس لأن الحظ لا وجود له، بل لأن اختزال النجاح فيه وحده ظلمٌ لكل من دفع عمره ثمنًا لما وصل إليه. هناك رجال أعمال سعوديون بدأوا من الصفر، وعاشوا سنوات طويلة من القلق والخسارة والمخاطرة والعمل المضني قبل أن يبنوا إمبراطورياتهم. تجاهل هذه الرحلات الإنسانية الثقيلة والتعامل معها، وكأنها مجرد “ضربة حظ” ليس تبسيطًا مخلًا فحسب، بل نوع من الكسل الفكري أيضًا. الحقيقة أن “الحظ” أصبح عند البعض وسيلة مريحة لتبرير الجمود. فالإنسان الذي لا يتحرك، ولا يجرب، ولا يغامر، يجد راحة نفسية في إقناع نفسه بأن النجاح لعبة عشوائية لا تستحق المحاولة. وهكذا يتحول الحظ إلى شماعة يعلّق عليها الإنسان خوفه وفشله وتردده. الكاتب الأمريكي جيمس كلير، في مقاله “النجاح المطلق حظ… والنجاح النسبي عمل شاق”، طرح فكرة جيدة حين فرّق بين نوعين من النجاح. فالنجاح المطلق-كأن تصبح من أغنى أغنياء العالم- قد يتداخل فيه التوقيت المناسب، والبيئة، والعلاقات، والظروف التي وُلدت فيها. أما النجاح النسبي، أي الفرق بينك وبين أشخاص عاشوا ظروفًا مشابهة لظروفك، فتحكمه العادات والانضباط والعمل المستمر. بمعنى آخر: قد لا تختار نقطة البداية، لكنك تختار الاتجاه الذي تسير فيه. ويضرب كلير مثالًا بالعالمة الصينية تو يويو، التي قضت سنوات طويلة تبحث عن علاج للملاريا، تقرأ النصوص الطبية القديمة، وتفشل مرة بعد مرة، حتى وصلت إلى اكتشاف مادة “الأرتيميسينين” التي أنقذت ملايين البشر. لم تكن قصة حظ سريع، بل قصة إنسان رفض الاستسلام رغم العوائق والتعب والخيبات الطويلة. وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن بعض الناس يولدون بفرص أفضل من غيرهم. رجل الأعمال البريطاني جوليان ريتشر، في مقاله “هل تشعر أنك محظوظ؟ ولماذا يجعل الاعتراف بحظنا العالم أفضل”، تحدث بصراحة عن الامتيازات التي قد يولد بها الإنسان؛ كالتعليم الأفضل، والاستقرار الاقتصادي، والمجتمع الآمن. وهي حقيقة ينبغي الاعتراف بها بصدق وعدالة. لكن المشكلة ليست في الاعتراف بوجود الحظ، بل في تحويله إلى العامل الوحيد. لأن هذا التفكير يصنع عقلية تؤمن أن الجهد بلا قيمة، وأن كل ناجح مجرد شخص “ابتسم له الزمن”. والأسوأ أن هذه العقلية تقتل روح المبادرة، وتجعل الإنسان ينتظر الفرصة بدل أن يصنع نفسه بنفسه. والغريب أن أكثر الناس الذين يرددون أن النجاح مجرد حظ، هم غالبًا الأقل محاولة. لا يقرأون، لا يجربون، لا يغامرون، ولا يتحملون ألم الفشل. يريدون نتائج استثنائية بحياة عادية جدًا، بينما الحقيقة التي يكررها التاريخ دائمًا هي أن النجاح يولد غالبًا من التعب الطويل والصبر الذي لا يراه أحد. ولذلك لم يكن الإسلام يومًا دين انتظارٍ للحظ أو استسلامٍ للظروف، بل دين عملٍ وسعيٍ وأخذٍ بالأسباب. ويكفي تأمل قول الله تعالى لمريم- عليها السلام: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾، رغم أن هزّ جذع النخلة يفوق قدرتها في تلك اللحظة، لكن الرسالة واضحة: الرزق يأتي مع السعي. ويؤكد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:” احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز”. لا أحد يستطيع التحكم في الظروف التي وُلد فيها، لكن الجميع يستطيع التحكم في مقدار الجهد الذي يبذله، وفي قدرته على الاستمرار حين يتوقف الآخرون. ولهذا أؤمن أن أخطر ما قد يفعله الإنسان بنفسه هو أن يقنعها بأن النجاح حكر على “المحظوظين”. وأختم بما قاله عمر زنهم في حلقته “هل الناجحون مجرد أشخاص محظوظين؟ وكم يؤثر الحظ في النجاح؟”: “الناجحون ليسوا الأكثر حظًا، بل الأكثر استعدادًا عندما تحين الفرصة المناسبة”.
ليس كل ثري ابن صدفة
