عندما كنا صغاراً كنا نتبادل سؤالاً حيّر الكثير أيهما جاء أولًا، الدجاجة أم البيضة؟
كنا نتحدى بعضنا البعض بهذا اللغز، وكل واحد منا يحاول أن يجد إجابة تقنع الآخرين. وبالنسبة لنا كأطفال صغار، كانت الإجابتان تبدوان صحيحتين.
ولعل ما يحدث و يتكرر منذ سنوات مع أبنائنا وبناتنا من الخريجين الجدد يشبه هذا اللغز إلى حد بعيد.
فكثير من الشركات- إن لم يكن معظمها- تضع الخبرة شرطاً أساسياً للتوظيف، وكأنها تقول للخريج: لا مكان لك ما لم تكن قد عملت من قبل. لكن السؤال البديهي الذي يطرح نفسه من أين سيحصل الخريج على هذه الخبرة إذا كانت الشركات ترفض توظيفه لأنه لا يملكها؟
هنا قد لا تبدو المسألة لغزاً من نوع «البيضة والدجاجة»، بل تبدو دائرة مغلقة، فبدون فرصة أولى لن تتكوّن الخبرة، وبدون الخبرة لا تأتي الفرصة.
والغريب أن بعض الشركات قد تجد أن توظيف موظف من جنسية أخرى أسهل، بحجة أنه يحمل شهادات خبرة من بلده، حتى وإن كانت تلك الشهادات بحاجة إلى التحقق والتدقيق.
وأذكر أن أحد الدبلوماسيين الآسيويين حكى لي قصة مهندس من بلده، تقدم بشهاداته طالباً اعتمادها. وعندما جرت مراجعة مؤهلاته، طُلبت مقابلته والتحقق من مصدر شهادته الجامعية. وكانت المفاجأة أنه بعد البحث لم يجد أي أثر للجامعة، التي قيل إنه تخرج منها.
وطُلب منه أن يستقيل من الشركة وأن يعود إلى بلاده، لكنه استمر في عمله نحو عامين قبل أن يغادر.
ولعل الجهات المختصة، ومنها هيئة المهندسين، قد أغلقت بعض الثغرات المتعلقة بالشهادات المزورة، لكن السؤال يبقى قائماً ماذا عن بقية المهن؟ وماذا عن شهادات الخبرة التي قد يحصل عليها البعض بطرق ملتوية؟
وبعيداً عن هذه الحالات الفردية، يبقى السؤال الأكبر من المسؤول عن تدريب الشباب السعودي ومنحهم الخبرة؟
فإذا كانت الشركات تشترط الخبرة قبل التوظيف، فمن الذي سيمنح الخريج فرصته الأولى؟
الجميع يعرف حجم التسهيلات التي تقدمها الدولة للشركات والمصانع، والدعم الذي تحصل عليه قطاعات الأعمال بهدف النمو والاستمرار. ومن الطبيعي أن يكون من بين مسؤوليات هذه المنشآت أن تسهم في إعداد الكوادر الوطنية، و اكسابها الخبرات والمهارات اللازمة.
ليس المطلوب من الشركات أن توظف من لا يملك الكفاءة، لكنها تحتاج إلى أن تفرّق بين غياب الكفاءة ونقص الخبرة.
البيضة أولاً أم الدجاجة؟
