مقالات الكتاب

علم الهمة

أستاذنا السيد محمد بن أحمد الشاطري- رحمه الله- حكى لنا أن شابًا تقدم لخطبة ابنة أحد الملوك فاشترط عليه الملك مهراً عالياً، وهو كيس مملوء بالمجوهرات والأحجار الثمينة تحمله على ظهرك فتنوء به. حاول الشاب مع الملك أن يثنيه عن هذا المهر الغالي فأبى.
وفي صباح اليوم التالي، أخذ الشاب كيسًا كبيرًا وسطلًا، ووضعهما داخل برميل وتوجه إلى الساحل القريب وشمر عن ساعد الجد. وأخرج الكيس والسطل ثم بدأ ينزح الماء بالسطل، ويعبئ البرميل حتى إذا امتلأ دفعه بقوة إلى اليابسة، وأهرق الماء ثم أعاد البرميل إلى مكانه. وكرر العمل دون كلل. شعرت الأسماك بحركة غريبة في ماء البحر؛ فقالت لهم كبيرتهم ابعثوا طليعة من صغارنا تأتي لنا بالخبر. ولما عادت الطليعة قالوا: إن شابًا قرر أن ينزح البحر، وإنه مجتهد في ذلك غاية الاجتهاد. فسألت السمكة الكبيرة: وماذا يريد هذا الفتى؟ قالوا سمعنا أنه خطب ابنة الملك، وأن الملك اشترط عليه كيسًا من المجوهرات. فقالت كبيرة السمك: عجلوا وابعثوا له طلبه قبل أن يضر أمة الأسماك بنزح قوام حياتنا. فما كان منهم إلا أن حملوا له ما يملأ الكيس وزيادة. فلما رأى الشاب المجوهرات عبأها في الكيس وحمله إلى الملك. وتقول الأسطورة: إن الملك وفى له بوعده وزوجه ابنته.
وعلق الأستاذ الشاطري على هذه القصة بأنها تدخل في علم الهمة.
وقبل ثلاثين سنة، زعم أمامي الصديق الأخ ص. ع. ب. أن أحد سلاطين المكلا والشحر كتب قبل نحو مائة عام بخط يده كتاب إحياء علوم الدين بمجلداته الأربعة 100 مرة. يا للعجب العجاب. 100 مرة هكذا؟ هل ترك السلطنة وانزوى في غرفة بعيدة ليعمل هذا العمل؟ إن نسخ هذا الكتاب مرة واحدة يحتاج إلى شهر من العمل الدؤوب. فهي حكاية لا يقبلها العقل. مثلها مثل الأسطورة السمكية. لكن قل إن السلطان كتب الكتاب مرة واحدة، أو حتى ثلاث مرات. أو أنه جمع أربعين أو خمسين من طلبة العلم وكلفهم بنسخ”الإحياء”. فاجتمعت له مائة نسخة خلال فترة بضعة أشهر. وكان ذلك طبعًا قبل انتشار المطابع.
وقد سمعت من الأستاذ عبد الله بغدادي- رحمه الله- أنه اشترى من مصر كتاب نشوار المحاضرة ولما رآه صهره الشيخ أبو تراب الطاهري- رحمه الله- طلب استعارته فأبى الأستاذ البغدادي إعارة الكتاب. فأقسم له أبو تراب أنه يريده ليلة واحدة ثم يعيده إليه ثاني يوم. فوافق. وكان للشيخ أبي تراب حلقة في الحرم المكي ففكك الكتاب ثم قسمه أقسامًا على طلبته، وأمرهم أن يسهروا عليه إلى الفجر فينسخوا منه نسخة. فامتثلوا. وفي اليوم التالي جلّد الكتاب وأعاده إلى صاحبه.
زبدة الكلام وخلاصته؛ أن من جد وجد.