الفراغ ليس دائمًا راحة، ولا يعني أن الإنسان قد منح نفسه وقتًا ليستريح. أحيانًا يكون الفراغ بابًا واسعًا تتسلل منه الأفكار الثقيلة، والملل، وفقدان الشغف، ثم يتحول شيئًا فشيئًا إلى عادة تسرق من الإنسان يومه دون أن يشعر.
لن أقول: لا تضيعوا أعماركم، فالعمر يمضي على كل حال، ولكن سأقول: لا تتركوا أيامكم تمضي بلا معنى.
فالإنسان حين ينشغل بما يحب، بعملٍ نافع، أو قراءة، أو رياضة، أو رحلة، أو لقاء جميل، أو حتى كوب قهوة في مكان يبعث في النفس الطمأنينة، يشعر أن للحياة طعمًا مختلفًا. ليست قيمة اليوم بكثرة ما ننجزه، بل بما نضع فيه من روح وحضور ومعنى.
الفراغ الطويل يجعل الإنسان يراقب تفاصيل لا تستحق، ويضخم أمورًا صغيرة، ويعيد مواقف انتهت، ويفتح أبوابًا كان من الأفضل أن تبقى مغلقة. وفي المقابل، حين تمتلئ الحياة بما ينفعنا ويبهجنا، نصبح أكثر اتزانًا، وأقل انشغالًا بما لا يستحق.
ليس المقصود أن نملأ يومنا بالعمل حتى نتعب، فالراحة ضرورة، والهدوء حاجة، والخلوة مع النفس أحيانًا أجمل ما نقدمه لذواتنا. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين راحة تُعيد لنا طاقتنا، وفراغ يستهلكها.
اصنعوا لأنفسكم اهتمامات، تعلموا شيئًا جديدًا، اقتربوا من الأماكن التي تمنحكم السلام، مارسوا هواية نسيتموها، اقرأوا كتابًا، امشوا قليلًا، تحدثوا مع من تحبون، واخلقوا من أبسط التفاصيل سببًا للحياة.
فالحياة لا تحتاج دائمًا إلى أحداث كبيرة حتى نشعر بجمالها؛ أحيانًا يكفي أن يكون لنا هدف صغير ننتظره كل صباح.
لا تُدمنوا الفراغ، لأنه لا ينهي الوقت فقط، بل قد ينهي الحماس، والرغبة، وبعض الأحلام التي كان يمكن أن تكبر لو منحناها شيئًا من الاهتمام.
املؤوا أيامكم بما يشبهكم، فالأيام التي تحمل معنى تبقى في القلب، حتى وإن مضت.
لا تدمنوا الفراغ
