مقالات الكتاب

حين نزرع الوطن في قلوب أبنائنا

ليست الأوطان حدودًا مرسومة على الخرائط، ولا أسماءً محفوظة في كتب الجغرافيا؛ الوطن هو المعنى الذي يسكن الإنسان قبل أن يسكنه الإنسان، وهو الذاكرة التي نحملها معنا أينما ذهبنا، والظل الذي لا ندرك قيمته كاملة إلا حين نرى من فقدوا أوطانهم، فتفرّقت بهم الدروب وضاقت عليهم الأرض بما رحبت.
وفي اليوم الوطني السعودي، لا نستعيد مجرد تاريخٍ مضى، بل نستحضر ملحمةً صنعت من الشتات وحدة، ومن الخوف أمنًا، ومن الصحراء وطنًا عظيمًا. نستذكر الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود- طيّب الله ثراه- والرجال الذين ساروا معه، لا طلبًا لمجد شخصي، بل إيمانًا بأن وطنًا موحدًا هو أعظم ما يمكن أن يتركه جيلٌ للأجيال التي تأتي بعده.
لكن الوفاء لهذا التاريخ لا يكتمل بالأعلام المرفوعة والأناشيد والاحتفالات، على جمالها؛ بل يبدأ من البيت، حين نغرس في نفوس أبنائنا أن حب الوطن ليس عبارة تُقال، وإنما سلوك يُرى. أن يحافظ الطفل على مدرسته، ويحترم النظام، ويصون الممتلكات العامة، ويخلص في تعليمه؛ فهذه كلها صور صغيرة لمعنى كبير اسمه الوطن.
علينا أن نحدّث أبناءنا عن المملكة؛ بوصفها أمانةً وصلت إليهم، لا امتيازًا بلا ثمن. نروي لهم كيف بُني أمنها، وكم بذل الآباء والأجداد من أجل وحدتها، وأن الرخاء الذي يعيشونه لم يولد مصادفة، بل صنعته تضحيات وعزائم ورجال آمنوا بأن بناء الأوطان يحتاج إلى صبر طويل. ونعلّمهم أن أعظم الاحتفاء بالوطن أن يصبحوا جديرين به: علمًا، وخلقًا، وإتقانًا، ومسؤولية.
إن الوطن الذي يسكن القلب منذ الطفولة لا تهزّه شائعة، ولا تستدرجه دعوة إلى الفوضى، ولا تنال منه أصوات الحاقدين والمتربصين. فالوعي سياج الأوطان، والانتماء حصنها، والأبناء الذين يعرفون قيمة بلادهم هم خط دفاعها الأول، وهم كذلك صُنّاع مستقبلها.
وفي ذكرى يومنا الوطني، نرفع أكفّ الدعاء أن يحفظ الله المملكة من كل سوء، وأن يديم عليها نعمة الأمن والوحدة والرخاء، ويحميها من كيد الأعداء وحقد الحاقدين، وأن يحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، ويوفقهما لما فيه خير البلاد والعباد.
سلامٌ على وطنٍ نسكن أرضه ويسكن أرواحنا، وسلامٌ على رايته الخضراء ما خفقت في السماء، وعلى أبنائه ما ظلوا أوفياء للعهد. وكل عام والسعودية عزٌّ لا ينحني، وأمنٌ لا يزول، ومستقبلٌ نغرسه اليوم في قلوب أبنائنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *