هل كل ما نراه بأعيننا يعكس الحقيقة كما هي؟ أم أن عقولنا أحيانًا تمنح المواقف معاني لم يقصدها أصحابها؟ في كثير من المواقف، لا تكون المشكلة فيما حدث، وإنما في الطريقة التي فُسِّر بها ما حدث. فكلمة عابرة قد تُفهم على أنها إساءة، وصمت قد يُفسر على أنه تجاهل، وتأخر في الرد قد يتحول في أذهاننا إلى دليل على عدم الاهتمام. ومن هنا تبدأ واحدة من أكثر المشكلات تأثيرًا في العلاقات الإنسانية: عدم القدرة على التماس العذر، وما يصاحبه من سوء ظن وتفسيرات قد تكون بعيدة تمامًا عن الحقيقة. وأن التصرف الذي نراه غريبًا قد تكون وراءه أسباب لا نعرفها.
ولا سيما أن عدم القدرة على التماس العذر قد تقود الفرد إلى سوء الظن، فيبدأ بتفسير المواقف وفق أسوأ الاحتمالات. فقد يتأخر فرد في الرد، فيُفسر ذلك بأنه يتعمد التجاهل، وقد يعتذر عن لقاء، فيُعتقد أنه لم يعد يرغب في العلاقة، وقد يبدو قليل الكلام، فيُظن أنه يحمل مشاعر سلبية. ومع تكرار هذه التفسيرات، يتحول الظن إلى قناعة، ثم تتحول القناعة إلى موقف قد يصعب التراجع عنه. وما يجب أخذه بعين الاعتبار، أن التماس العذر لا يعني تبرير الخطأ أو التنازل عن الحقوق، بل يعني التريث قبل إصدار الحكم، ومنح الأفراد فرصة لفهم ظروفهم ودوافعهم.
وبلا شك أن سوء الظن لا يؤذي الآخرين فقط، بل يرهق الفرد نفسيًا أيضًا؛ فالفرد الذي يعتاد تحليل تصرفات من حوله والبحث عن المعاني الخفية خلف كلماتهم قد يعيش في حالة مستمرة من القلق والتوتر. وقد يصبح أكثر حساسية تجاه المواقف، فيقرأ التفاصيل الصغيرة بطريقة سلبية، ويستنزف طاقته في التفكير فيما قصده الآخرون بدلًا من سؤالهم مباشرة. وتبدأ أن راحة الفرد النفسية عندما لا يربطها دائمًا بتغير الآخرين، بل تبدأ من تغيير الطريقة التي يفسر بها تصرفاتهم.
وغياب التماس العذر قد يحول المواقف البسيطة إلى خلافات كبيرة من النواحي الاجتماعية، حينما يحل الصمت محل الحوار، والظن محل السؤال، والعتاب الداخلي محل المواجهة الهادئة. فكم من علاقة ضعفت بسبب موقف أُسيء فهمه، وكم من صداقة انتهت لأن أحد الأفراد اختار تفسيرًا سلبيًا بدلًا من البحث عن الحقيقة، فالعلاقات الصحية تحتاج إلى الثقة والتواصل والقدرة على تجاوز بعض المواقف، دون أن يعني ذلك قبول الإساءة أو تجاهل الأخطاء المتكررة.
ويكمن تهذيب الظنون في التماس الأعذار، والتي تعدُ صورة من صور النضج النفسي والاجتماعي؛ لأنه يمنح الفرد فرصة للتفكير قبل الحكم، ويجعله أكثر إنصافًا ورحمة في تعامله مع الآخرين. كما أننا لن نعرف دائمًا ما يمر به الأفراد من ظروف، لكن يمكننا أن نختار ألا نحكم على ما لا نعرفه. وقد تكون كلمة بسيطة مثل: “ربما له عذر” سببًا في منع غضب، أو إيقاف خلاف، أو الحفاظ على علاقة. فالفرد لا يحتاج دائمًا إلى من يبرر أخطاءه، بقدر حاجته إلى من يمنحه فرصة؛ لأن يُفهم قبل أن يُحكم عليه.
تهذيب الظنون
