في كل صباح يدخل ملايين الطلاب إلى مدارسهم حاملين الكتب والدفاتر، ويقضون سنوات طويلة في تعلم القراءة والكتابة، وتحليل النصوص الأدبية، لكنهم في الوقت نفسه يغادرون قاعات الدراسة إلى عالم مختلف تماماً. عالم تحكمه الشاشات والصور ومقاطع الفيديو والأفلام والرسائل البصرية السريعة، وهنا يبرز سؤال يستحق التوقف عنده: لماذا لا يزال التعليم يركز على تدريس الطلاب قراءة الكلمات، بينما أصبحت الصورة هي اللغة الأكثر انتشاراً وتأثيراً في عصرنا؟ لقد تغيرت وسائل التواصل الإنساني بصورة غير مسبوقة، فاليوم يتلقى الإنسان يومياً كماً هائلاً من المعلومات عبر الهاتف الذكي أكثر مما كان يتلقاه خلال أسابيع أو أشهر في الماضي. الأخبار تُشاهَد قبل أن تُقرأ والإعلانات تُبنى على الصورة أكثر من النص، والمنصات الرقمية تتنافس في إنتاج محتوى بصري قادر على جذب الانتباه خلال ثوانٍ معدودة، ومع ذلك لا تزال معظم المناهج التعليمية تتعامل مع الصورة والفيلم؛ باعتبارهما أدوات ترفيهية، لا وسائط معرفية تستحق الدراسة والتحليل. الحقيقة أن الأفلام ليست مجرد تسلية بل هي نصوص بصرية متكاملة. فكما تحتوي الرواية على شخصيات وأحداث ورموز ورسائل، تحتوي الأفلام أيضاً على لغة خاصة بها تُبنى من الضوء واللون والصوت وزوايا التصوير والحركة. وكل لقطة قد تحمل من المعاني ما تحمله صفحات كاملة من الكلمات. إن تعليم الطلاب كيفية قراءة الأفلام والصور والمحتوى الرقمي لا يعني التخلي عن الأدب أو الكتاب؛ بل يعني توسيع مفهوم الثقافة ليواكب العصر. فالطالب الذي يستطيع تحليل رواية يجب أن يكون قادراً أيضاً على تحليل فيلم، أو إعلان أو مقطع فيديو ينتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتزداد أهمية هذا الأمر مع صعود الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح قادراً على إنتاج صور ومقاطع فيديو شديدة الواقعية، يصعب أحياناً التمييز بينها وبين الحقيقة. وفي عالم كهذا لن يكون الخطر في نقص المعلومات؛ بل في القدرة على فهمها وتمييز الصحيح منها من المضلل. إن المستقبل لن يُبنى بالكلمات وحدها بل بالمزج بين الكلمة والصورة والتجربة الرقمية؛ ولذلك فإن المدارس التي تستعد للغد لا ينبغي أن تكتفي بتعليم الطلاب كيف يقرؤون الكتب؛ بل يجب أن تعلمهم أيضاً كيف يقرؤون الشاشات التي تملأ حياتهم. لقد كانت القراءة والكتابة مفتاح التقدم في القرون الماضية. أما في القرن الحادي والعشرين فإن الثقافة البصرية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من مفهوم التعليم نفسه. ومن لا يتقن قراءة العالم المرئي من حوله. قد يجد نفسه متعلماً في الشهادات، لكنه أمّي في لغة المستقبل.
لغتنا والثقافة البصرية؟!
