مقالات الكتاب

الاعتقاد السائد

قد يعتقد بعض الأفراد، أن حياتهم تتأثر بما يحدث حولهم، لكن الحقيقة أن ما يؤثر فيهم بدرجة أكبر هو الطريقة التي يعتمدها العقل في تفسير تلك الأحداث. فقد يمر شخصان بالتجربة نفسها، إلا أن أحدهما يراها بداية جديدة، بينما يراها الآخر نهاية لكل شيء. هذا الاختلاف لا يصنعه الواقع، بل يصنعه الاعتقاد السائد في العقل. فهو الفكرة التي ترسخت داخل الفرد حتى أصبح يتعامل معها، وكأنها حقيقة، فتؤثر في مشاعره، وتوجه قراراته، وترسم نظرته إلى نفسه وإلى الحياة.
يتكون الاعتقاد السائد تدريجيًا من خلال التجارب التي يمر بها الفرد، والكلمات التي يسمعها باستمرار، وطريقة تربيته، والمواقف التي تركت أثرًا عاطفيًا عميقًا في داخله. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الاعتقاد إلى مرشح يفسر كل ما يحدث من حوله. فإذا حمل الفرد اعتقادًا بأنه لا يستحق النجاح، فإن عقله سيبحث تلقائيًا عن كل موقف يؤكد هذه الفكرة، وسيتجاهل المواقف التي تثبت عكسها. وهكذا يعيش الفرد داخل تفسير صنعه اعتقاده، وليس داخل الواقع كما هو.
وعندما يكون الاعتقاد السائد سلبيًا، فإنه لا يقتصر على التأثير في الأفكار، بل ينعكس على السلوك أيضًا. فقد يتردد الفرد في اغتنام الفرص، أو يخشى الفشل، أو ينسحب قبل أن يبدأ، لأن عقله أصبح مقتنعًا مسبقًا بالنتيجة. ومع تكرار هذا السلوك، يزداد الاعتقاد قوة، فيشعر الفرد وكأنه عالق في دائرة يصعب الخروج منها، بينما تكون بدايتها مجرد فكرة آمن بها في مرحلة من حياته.
ويبدأ تغيير الاعتقاد السائد عندما يتوقف الفرد عن التعامل معه على أنه حقيقة مطلقة. كما يساعد توجيه الأسئلة إلى الذات، مثل: من أين جاءت هذه الفكرة؟ وهل تستند إلى واقع ثابت، أم إلى تجربة قديمة ما زالت تتحكم في الحاضر؟ فهذا يساعد على إعادة النظر في هذه القناعة. بعد ذلك، تأتي مرحلة البحث عن أدلة تناقضها، وخوض تجارب جديدة تثبت القدرة على التغيير. فالعقل لا يقتنع بالكلمات وحدها، بل يقتنع بما يراه ويتكرر أمامه من أفعال ونتائج.
وينبغي أن يدرك الفرد أن الاعتقاد ليس هويته، بل فكرة اكتسبها العقل مع مرور الزمن، وكل فكرة يمكن مراجعتها وإعادة بنائها. وعندما يتغير الاعتقاد السائد، تتغير طريقة رؤية الفرد لنفسه، وتتبدل قراراته، ويصبح ما كان يظنه مستحيلًا مجرد تحدٍ يمكن تجاوزه. فالحياة لا تتغير عندما يتغير العالم من حوله، بل عندما يتغير المعنى الذي يمنحه عقله لهذا العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *