في الوقت الذي يُفترض أن يكون الزواج بدايةً لحياةٍ مستقرة يسودها الودّ والرحمة، أصبحت تكاليفه المتزايدة تمثل هاجسًا يؤرق كثيرًا من الشباب والفتيات، حتى تحوّل حلم تكوين الأسرة لدى البعض إلى مشروعٍ مؤجل أو مستحيل، بسبب المغالاة في المصاريف والمظاهر الاجتماعية، التي تجاوزت حدود المعقول.
لم تعد “العنوسة” مرتبطة بالمرأة وحدها، كما كان يُعتقد سابقًا، بل أصبحت واقعًا يطال الرجال والنساء معًا، فكم من شابٍ يرغب في الزواج، لكنه يقف عاجزًا أمام متطلباتٍ مالية مرهقة تبدأ بالمهر، ولا تنتهي عند تكاليف القاعات والولائم والهدايا والتجهيزات المبالغ فيها، ومع الأسف، وصل بنا الحال إلى إقامة حفلاتٍ كاملة للخطوبة والـملكة، وكأنها ليلة الزواج ذاتها، بما يصاحبها من إسرافٍ في الزينة والضيافة والتصوير والتنظيم، حتى أصبحت المناسبات تتكرر بأعباءٍ مضاعفة تثقل كاهل الأسر، وتدفع البعض إلى الاستدانة؛ من أجل إرضاء المجتمع أو مجاراة الآخرين.
إن المشكلة الحقيقية ليست في الفرح نفسه، فالفرح حقٌ مشروع، ولكن في تحويل الزواج إلى ساحةٍ للمباهاة الاجتماعية، يُقاس فيها النجاح بحجم الصرف، لا بحجم التفاهم والاستقرار، فكثير من الزيجات تبدأ بديونٍ ثقيلة، وقد تنتهي بخلافاتٍ مبكرة؛ نتيجة الضغوط المالية التي رافقت بدايتها، ومن المؤلم أن بعض الشباب اضطروا لتأخير الزواج سنوات طويلة؛ بسبب هذه التكاليف، فيما تتنازل فتيات كثيرات عن حلم الاستقرار الأسري؛ لأن المجتمع رسم صورةً مثالية باهظة الثمن للزواج، لا يستطيع الجميع الوصول إليها.
المجتمع اليوم بحاجةٍ إلى إعادة النظر في ثقافة الزواج، والعودة إلى البساطة التي كانت سببًا في البركة والاستقرار ، فليس عيبًا أن يكون الزواج بسيطًا، ولا أن تكون حفلاته مختصرة، بل العيب أن تتحول العادات الاجتماعية إلى عائقٍ يمنع الشباب والفتيات من بناء أسرٍ مستقرة ، كما أن دور الأسر مهم جدًا في التخفيف من الأعباء، من خلال تقليل المتطلبات، وتقديم التفاهم على المظاهر، وتشجيع المبادرات المجتمعية، التي تدعو إلى تيسير الزواج، لأن بناء الأسرة مسؤولية مجتمعية، لا يتحملها الشاب أو الفتاة وحدهما. إن تيسير الزواج ليس تقليلًا من قيمة المناسبة، بل حفاظٌ على قيمة الأسرة ذاتها، فكلما كان الزواج أقرب إلى البساطة، كان أقرب إلى الاستقرار والطمأنينة، وأبعد عن الديون والضغوط والتعقيدات، التي أصبحت تهدد مستقبل كثيرٍ من الشباب والفتيات. وكلنا في خدمة الوطن.
حين تتحول فرحة الزواج إلى تكاليف
