مقالات الكتاب

تموج الشغف

قد نتساءل يومًا.. لماذا يشتعل الشغف دواخلنا بقوة ثم يختفي فجأة؟ ولماذا يعود أحيانًا في أكثر اللحظات يأسًا؟ هذه الحالة تُعرف بتموجات الشغف، وهي انتقال الفرد بين الحماس والفتور بصورة متكررة؛ نتيجة تأثر النفس بالمشاعر والضغوط والمشاعر المتكونة؛ بسبب الظروف الداخلية.
وفي الحقيقة.. الشغف بطبيعته لا يبقى ثابتًا طوال الوقت، لأن الفرد يتأثر بما يمر به نفسيًا وعاطفيًا. فعندما يبدأ الفرد بتنفيذ فكرة جديدة، أو يقترب من حلم يحبه يشعر بطاقة عالية تدفعه للعمل والتخطيط والتخيّل، ولكن هذا الاندفاع القوي يستهلك جزءًا كبيرًا من الطاقة النفسية؛ لذلك يعقبه أحيانًا شعور بالإنهاك أو الفتور. وهنا يعتقد البعض أن اهتمامهم بالحلم قد انتهى، بينما يكون ما يحدث في الحقيقة مجرد هبوط طبيعي بعد موجة من الحماس المرتفع.
وترتبط تموجات الشغف أيضًا بالصراع بين الصورة المثالية للحلم، وواقع التنفيذ اليومي؛ ففي البداية يبدو الطريق مليئًا بالإلهام والجمال، ولكن عند مواجهة التفاصيل المتعبة والعقبات المتكررة يبدأ العقل في مقاومة الضغط والخوف من الفشل أو الإحباط ولذلك قد يبتعد الفرد نفسيًا لفترة، ثم يعود إليه الحماس فجأة عندما يشعر بالفراغ، أو فقدان المعنى وكأن النفس مهما ابتعدت تبحث دائمًا عمّا يمنحها الشعور بالحياة والاتجاه.
ويعيش بعض الأفراد هذه التموجات بصورة أعمق من غيرهم، خاصة من يمتلكون حساسية شعورية عالية، أو يربطون أحلامهم بهويتهم الذاتية؛ فهؤلاء لا ينظرون إلى أهدافهم كمجرد إنجازات، بل كجزء من ذواتهم الداخلية؛ لذلك تكون مشاعرهم أكثر حدة في لحظات الحماس والانطفاء معًا. وقد يتحول الشغف لديهم إلى موجات متتابعة من الاندفاع والتراجع والعودة من جديد، فيشعرون وكأنهم يعيشون صراعًا دائمًا بين الرغبة في الاستمرار والتعب النفسي الذي يرافق الطريق.
ولا ينبغي أن ينظر الأفراد إلى تموجات الشغف بوصفها علامة ضعف أو تردد، بل باعتبارها جزءًا طبيعيًا من الرحلة الإنسانية فالتنقل بين الحماس والفتور لا يعني ضياع الطريق، وإنما يعكس حاجة النفس إلى التوازن بين الرغبة والطاقة. والوعي بهذه التموجات يساعد الإنسان على تقبّل ذاته بصورة أكثر نضجًا، ليُدرك أن النجاح الحقيقي لا يكمن في الاشتعال المستمر، بل في القدرة على العودة بعد كل انطفاء، والاستمرار رغم كل التقلبات الداخلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *