في 12 شوال الماضي، نشرت” البلاد” مقال النظارة، فلما قرأه الزميل المصري الأستاذ محمد خليفة قص عليّ قصة معمر القذافي، عندما انتهى من مشاهدة بروفة فيلم “عمر المختار”. قال الأستاذ خليفة: إن الرئيس الليبي الأسبق لما شاهد شنق الاستعمار الايطالي عمر المختار، وسقوط نظارة الشهيد، وقف عند هذه المأساة، وأضاف مشهدًا جديدًا. فقد أمر بأن يأتي طفل ليبي، ويلتقط النظارة من الأرض ويلبسها. أي أنها حركة رمزية لاستمرار النضال ضد الاستعمار.
والبحث عن النظارة يستدعي قصة أخرى كنت بطلها. فقد تأخرت عن المدرسة الابتدائية صباح ذات يوم، ووجدت المدير السوداني واقفًا عند باب المدرسة بالمرصاد للطلبة المتأخرين، وبيده عصا غليظة، الله أعلم من أين اشتراها. ولما وصلت سألني: تأخرت ليه؟ فقلت: ضاعت مبصرتي فكنت أبحث عنها. فقال بحزم: هات يدك. فسلمته يدي فضربها ثلاث ضربات كاد الدم أن ينز منها، وهو يقول: قبل البحث عن النظارة، لازم تكون عندك نظارة لكي تراها. هل كان يسخر مني أم ماذا يريد أن يقول لي. لكني لم أنس عبارته هذه منذ أكثر من ستين سنة. ولم يعلم- رحمه الله- أنني يوميًا أقضي بضع دقائق في البحث عن النظارة؛ لأني كلما سحبتها عن عيني أضعها كيفما اتفق في أي مكان من الغرفة دون تحديد مكان معين لها، إلا فيما ندر.
وقصة شوفة ثالثة.
فقد روى الأستاذ الأديب عبد العزيز الرفاعي- رحمه الله- أنه كان في مكة المكرمة قبل 80 سنة محل للنظارات، يبدو من اسمه أن صاحبه كان في أصوله من القارة الهندية. وقد علق على الدكان لوحة تقول محل فلان للنظارات، ثم عبارة أخرى مفادها نحن نبيع لك النظارة المناسبة، ونسلمك إياها. قال الأستاذ الرفاعي: فكنا نضحك عندما نمر أمام هذا المحل. ونقول تسليم النظارة المباعة تحصيل حاصل، فهل هناك من يبيع النظارات دون أن يسلمها لصاحبها؟ تفسير ذلك أن النظارة تحتاج إلى صناعة؛ لأنها ليست طاقية مثلًا. بل يأخذ النظاراتي درجة نظر الزبون، ثم يصنع له عدسات حسب قوة نظره أو ضعفه، ومناسب أيضًا للإطار الذي يختاره الزبون. وكان هذه يستغرق على الأقل 24 ساعة. وبعد ذلك يسلمها النظاراتي للزبون. لكن البائع خانه التعبير.
الشوافة
