مقالات الكتاب

عندما يغيب التوقير والاحترام

جلس الإمام بعد الصلاة ينظر إلى عددٍ من المصلين الذين ما إن انتهت الصلاة، حتى أخرجوا أجهزة الجوال من جيوبهم؛ بحثًا عمّا فاتهم من مكالمات ورسائل. وآخرون اجتمعوا في أحد الأركان، وأخذوا يتحدثون بصوتٍ عالٍ.
أما مجموعة أخرى فأخذت في تبادل النكات، وبعضها بألفاظٍ خارجة، وسط ضحكات بعضهم.
وهنا وقف الإمام وذهب إليهم، وطالبهم باستكمال حديثهم خارج المسجد، حيث إنهم يؤثرون على باقي المصلين الذين يؤدون صلاة السنة.
وعندما خرجوا نظر إليَّ وقال:” ما لهم لا يوقرون بيت الله؟ والله لو كانوا في بيت مديرهم، أو في اجتماعٍ مهم؛ لما تجرؤوا على الحديث بصوتٍ عالٍ، وتبادل النكات الخارجة”.
وكأنهم لم يقرؤوا في سورة نوح قول نبي الله نوح لقومه:” ما لكم لا ترجون لله وقارًا”، أي: ما لكم لا تخافون عقاب الله، وما لكم لا ترجون منه ثوابًا.
فقلت له: المشكلة أن كثيرًا منا نسي معنى كلمة الوقار، وأصبح المسجد بالنسبة للبعض؛ كأنه غرفة كباقي غرف المنزل.
للأسف، أصبح فينا من لا يوقر حرمات الله. كم من مرة أُقيمت الصلاة والشباب مستمرون في لعب الكرة بجوار المسجد؟
وكم منا تساهل في معصية الله حتى في أبسط الأشياء، وارتكب السيئات، وتعامل مع ذلك وكأنه شيء طبيعي.
وكم منا كانت له فرصة لعملٍ صالح يكسب منه رضا الله، ويجمع بعض الحسنات التي تنفعه يوم الحساب، ولكنه تكاسل عنها وانشغل بأمور الدنيا؟
ولذلك نعجب ممن يسرع في الطرقات، ويرتكب جميع أنواع المخالفات المرورية؛ كي يصل إلى المقهى ليجتمع بأصدقائه، ثم يتكاسل عن طاعة الله.
كلمة التوقير تغيب عن بعضنا في جميع الأمور. ففي المدرسة قد لا يُحترم المكان بوصفه بيئةً للتعلم، ولا يُحترم المدرس، ولا يُقدَّر دوره في إنشاء أجيال تعمل على رفعة الوطن.
وفي الطريق لا تُحترم آداب الطريق، أما النظام فحدث ولا حرج. كم منا يلتزم بدوره في المرور، أو يقف في الطابور انتظارًا لدوره للحصول على خدمةٍ ما؟
وفي المنزل هناك من لا يحترم الكبير، وقد يتجاهل والديه ولا يعمل على راحتهما، بل قد يفعل كل ما يغضبهما.
عندما يغيب عنا التوقير والاحترام، فإنه لا يغيب في أمورٍ بعينها، بل قد يغيب عن جميع تصرفاتنا، وتصبح السمة الغالبة في حياتنا هي افتقاد الاحترام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *