اجتماعية مقالات الكتاب

حين يلعب المقهى دور البطولة

أعمل في منشأة تستدعي مقابلة الكثير من المراجعين في اليوم الواحد، ما يعني أنه لا ينتهي إلا وأنا في أقصى درجات الإرهاق، وبما أني أربط القهوة بكل ما يجعلني سعيدة، فقد أصبح المرور بمقهى يقرب من مقر عملي عادة أفعلها قبل بدء اليوم أو نهايته لأتناول جرعتي من السعادة.

في الأيام الماضية مررت بيوم مرهق حتى شعرت برغبتي للهروب من كل شيء، ولكني وجدت مكاني المفضل في انتظاري، المقهى الذي يجعل من صوت طلال مداح ينشر السلام في الجدران، ومن البن عافية تسري في الجسد من كوب القهوة، ومن الكتب فيه ركناً جيداً لقضاء وقت هادئ، طلبت قهوتي وقررت الجلوس لإنهاء كل الأعمال المتراكمة طيلة الأسبوع في حاسوبي الشخصي، لاحظني أحد العاملين فيه على غير عادتي، كان سؤاله: هل أنتِ بخير؟، كفيلاً بفتح باب الرغبة بأن ألقي على عاتق الطاولة وفنجان القهوة كل ما يزعجني.

وبالحديث عنها، فإن المقاهي عُرفت على مر التاريخ المكان الأمثل لتبادل الأحاديث المطولة واللقاءات وليالي السمر التي تحكى فيها القصص فيما صوت الموسيقى يعطي اِنْطِباعاً حالِماً للأحداث، ومع تطور الوقت أصبحت مَكاناً يزوره معظم الناس من حين لآخر، سواءً أحبوا القهوة أم لا، كالاجتماعات السريعة أو القراءة والكتابة أو أن تكون مكاناً رائعاً لإنهاء الأعمال، بل أخذت دور البطولة في بعض الروايات والقصائد، ففي روايات نجيب محفوظ -والذي جعل من المقاهي في بعض رواياته دوراً أساسياً- كانت رواية “قشتمر” المقهى الذي كان شاهداً على تاريخ مصر منذ طفولة حتى كهولة الشخصيات، ومعاصرته للصراعات على مدى الأعوام، بالإضافة لرواية “ميرامار” التي تحولت لفيلم من بطولة شادية. ويعود هذا لحب أديب نوبل نجيب محفوظ للمقاهي وتأثيرها عليه الذي ظهر في أدبه بصورة جلية، ومن أشهر المقاهي التي كان يرتادها مقهى “ريش” “والفيشاوي” المفضل لديه، و”علي بابا”، وكنجيب كان إرنست همنغواي وإف سكوت فيتزجيرالد من مرتادي مقهى “لاروتوند” في فرنسا، و” تورتوني” الذي كان مفضلاً للمؤلف الأرجنتيني خورخي لويس بورخس.

وأما في الأدب الغربي فهنالك العديد من الروايات التي احتلت المقاهي اسماً على صفحة الغلاف مثل رواية “أنشودة المقهى الحزين” لكارسن مكالرز ورواية “مقهى هيانا” ليانا بينوفا وغيرها من الأسماء، ليس هذا فحسب فالشاعر الفلسطيني محمود درويش كانت علاقته بالمقاهي وطيدة جداً، كان يذكرها كأماكن تبقى في الذاكرة، وليست لشرب القهوة فقصيدة “مقهى وأنت مع الجريدة” كان يصف عن حالة الوحدة فيما حوله كل شيء يدعوه لأن يكون مع أحدهم، فيما قال نزار عنها أنها: الأكاديميات التي يتخرج منها العشاق” تعبيراً أن مكاناً يقدم كوباً من قهوة كفيلاً لأن يجعلك تشعر بالحب.

وليس الأدب ما يجعل للمقاهي مكانة خاصة، بل في السفر كذلك، فمجرد تخيل الجلوس في المقهى أو المكان الذي كتب فيه مؤلف ما، رواية كنت قد قرأتها، له شعور مختلف من الحماسة والدهشة. بالنسبة لي كما ذكرت سابقاً أربط القهوة بالسعادة، ولهذا أحب المقهى الذي يشعرني بذلك حين تجمعني طاولة الوقت لتبادل الأحاديث والحوار مع أحد أو إنهاء عمل يحتاج إلى جهد فكري، أو أكتب كما فعلت حين كتبت هذا المقال.

i1_nuha@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *