اجتماعية مقالات الكتاب

الدراما وبناء القيم

الدراما من الفنون الراقية التي يحبها ويقبل عليها الصغار والكبار نظرا لمخاطبتها الوجدان الإنساني بشكلٍ مباشر عبر مجموعةٍ من الحواس، وكلما كانت الحبكة الدرامية مشوِّقة وجذَّابة كلما كان العمل الدرامي ممتعًا، وكلما كان بالغ التأثير في أعماق الشخص الذي يتابع ذلك العمل.

بل الدراما فنٌ ينبغي أن يقدم المتعة والترفيه الهادف، وموضوعات الأعمال الدرامية تعكس الكثير من جوانب الحياة على اتساعها، فيمكن انتقاء صورٍ مضيئة مشرقة من حياة النابهين النوابغ في أمتنا وعمل سير حياتهم مسلسلات ممتعة ونافعة ومفيدة، بدلًا من محاولة اللعب على أوتار السلوكيات الإنسانية وتهييجها بهدف التأثير بشكل سلبي على أبناء المجتمع، وهناك قصصٌ مشرفة من قيادات المجتمع في القطاعات الصحية والعسكرية والأمنية ودورها المتميز في مواجهة جائحة كورونا على سبيل المثال.

لكن المؤسف حقًّا أن نجد بعض الجهات القائمة على صناعة الدراما في عالمنا العربي تحاول جعلها أداة هدمٍ لمنظومة القيم، بالمختصر لقد بات من الملزم على صناع الدراما تغيير بوصلة اختياراتهم نحو مزيدٍ من المواهب الموجودة في كل مسارات الحياة.

وليس من مصلحة أحد أن تحارب الدراما القيم والأخلاق والشهامة والنبل، بل ينبغي عليها أن تعمق الموروث الاجتماعي والقيمي الذي يضبط إيقاع الحياة في المجتمع، وفي الحقيقة فإن الجميع في مختلف أرجاء الوطن العربي ينتظرون دراما متميزة وممتعة ونافعة ومبهرة في عمل فني متكامل العناصر، لكن بدلا من إبهارهم بعمل درامي من العيار الثقيل نجد أن معظم الأعمال الدرامية تقدِّم صورة سلبية مشوِّهة للإنسان العربي والعائلة العربية، بل هناك أعمال درامية تقدم المجتمع وكأنه مكان لممارسة الإجرام والقتل وتهريب المخدرات والقيام بأبشع الأعمال التي تدمر هذا الموروث القيمي الذي هو أعز ما نمتلك.

إن الدراما أداة فنية بالغة الحساسية، وتلعب دورًا بالغ الأهمية في تشكيل الوعي وصياغة الوجدان، وبناء منظومة القيم والمفاهيم والأخلاق في أية مجتمع، فالدراما تتغلغل إلى أعماق النفس الإنسانية وتُرسِخ فيها سلم القيم، وتؤكد على المفاهيم والقناعات المختلفة، والساحة مفتوحة أمام المبدعين، والطاقات المبدعة كثيرة ومتنوعة وقادرة على تجسيد أي عمل فني.

وإذا كانت بعض الجرائم ترتكب في بعض الأحيان هنا وهناك في كل المجتمعات الإنسانية فهذا طبيعي لأننا في النهاية بشر ولسنا ملائكة، ولسنا معصومين، لكن الخطأ كل الخطأ هو في تضخيم هذه السلبيات وادعاء هيمنتها على حياتنا وتسليط الضوء عليها بشكل مكثف وكأن حياتنا تخلو من أية فضائل أو قيم!!
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *