في رحلة الحياة، نلتقي بالكثير من المحطات، بعضها عابر لا يترك أثرًا، وبعضها عميق يغيّر مسارنا إلى الأبد، ومن أقسى تلك المحطات وأكثرها وجعًا، لحظة رحيل الأم، ذلك الرحيل الذي لا يشبه أي فقد، ولا يُقاس بأي حزن، الأم ليست مجرد شخص في حياتنا، بل هي الحياة نفسها، هي البداية التي انطلقنا منها، والظل الذي احتمينا به، والصوت الذي كان يطمئننا في أكثر لحظاتنا ضعفًا، وحين ترحل، لا تغيب فقط، بل يرحل معها جزءٌ منّا؛ جزء لا يمكن تعويضه ما حيينا.
في تجربتي مع رحيل الأم، أدركت أن الفقد الحقيقي ليس في الغياب الجسدي فحسب، بل في تفاصيل الحياة التي كانت تمتلئ بها، في الدعاء الذي كان يسبقنا، في السؤال الذي لا ينقطع، في الحنان الذي لا يُطلب بل يُعطى بلا حدود ، كل زاوية من زوايا الحياة أصبحت تحمل ذكرى، وكل لحظة صمت تُعيد صدى صوتها، رحيل الأم ليس نهاية الحكاية، بل بداية نوعٍ آخر من العلاقة، علاقة تقوم على الدعاء، وعلى الذكرى، وعلى الوفاء لما زرعته فينا من قيم، هي التي علمتنا الصبر، وفي رحيلها اختبرنا به، وهي التي غرست فينا الحب، فنحاول أن نُبقيه حيًا في غيابها، تبقى الأم رمزًا لا يُعوّض، ومكانتها لا تُملأ. إن الحديث عن رحيلها ليس مجرد رثاء، بل هو دعوة للتقدير، أن نُدرك قيمتها وهي بيننا، وأن نمنحها ما تستحق من حب واهتمام قبل أن يأتي ذلك الرحيل الذي لا يُمهل أحدًا.
رحلتي مع فقد الأم لم تكن سهلة، لكنها علّمتني أن الذكريات الجميلة يمكن أن تكون عزاء، وأن الدعاء يصل، وأن الحب الحقيقي لا يموت؛ بل يبقى ممتدًا، حتى بعد الرحيل. رحم الله أمي وكل أم رحلت، وجعل ما قدمته في ميزان حسناتها، اللهم اجعل منزلتها الفردوس الأعلى، وأمواتكم وأموات المسلمين جميعًا.
من رحلتي
