مقالات الكتاب

أبرز الإخفاقات الطبية «1»

عندما أعود إلى كتاب”أبرز إخفاقات الأطباء وكيفية تجنبها ” فإننى أفضل الإشارة إلى أخطاء المنظومة الصحية، رفعًا للحرج ونفيًا للحساسية عند الأطباء، فالكتاب في عناوينه الجانبية على الغلاف يذكر،” أبرز عشر أخطاء للأطباء “، و” أبرز عشر أخطاء للصيادلة” ، و” أبرز الإخفاقات في علاج حالات الاكتئاب، والصداع النصفي، والتهاب المفاصل”. يتضح من العناوين الجانبية، أن المسألة ليست خاصة بالأطباء، إضافة إلى أن ما يسمى بالأخطاء الطبية في غالبيتها السحيقة ليس نتاجًا لإهمال أو تفريط، وإنما يقع نتيجة للقصور البشري؛
لذا أفضل استخدام مسمى” المنظومة الصحية” عند الحديث عن أخطاء طبية، لأن تقصير المريض في الإيضاح عن تفاصيل معاناته يجب أن يعوضه دقة الطبيب في البحث عن التفاصيل من المريض، ومن مرافقيه؛ وكذلك من ملفه الطبي- إن توفر. وتقصير الطبيب في شرح سمات الدواء وطريقة تعاطيه، والإشارات التى يجب أن يلتقطها المريض؛ لكى يطلب المشورة – قبل مواصلة العلاج – يمكن تلافيها في وجود الصيدلاني الذي يتبع في طريقة تفكيره خطوات السلامة، والتفكير المنهجى الذي يثير التشكك ويدفع للاستبانة والتوضيح، كما أن الكثير من الممارسات العلاجية نشأت عن أبحاث أو تجارب علمية كانت نتائجها تقريبية،
ولكنها أفضل الموجود، خاصة في ظل صعوبة عمل تجارب و أبحاث أخرى؛ نتيجة موانع عملية أو أخلاقية، وهكذا فإن الممارسة المقصودة لم تبنْ على اليقين، وإنما بُنيت على المقاربة والاجتهاد والاستحسان، وهكذا.
أوضح أحد الأطباء طبيعة المشكلة التى تحدث عنها الكتاب بأنها الفشل في”إعداد الأطباء للإخفاق في التشخيص”: كل التعليم الطبي موجه نحو حشر أكبر قدر من المعلومات في رؤوس الأطباء، بناء على افتراض غير واقعي، وهو أن الأطباء سيكونون قادرين على تذكر المعلومات المناسبة في أية لحظة، بما فيها أوقات الأزمات، وما يفاقم المشكلة هو الطبيعة المتغيرة باستمرار للمعرفة الطبية، مع الضغط المكثف لرؤية أكبر عدد من المرضى كل يوم؛ من أجل زيادة العائد المالى. إن هذا الوضع يُعد الأطباء والمرضى لارتكاب أخطاء مكلفة وخطيرة. إن فهم هذه المسألة ضروري؛ لكى يتفادى الطبيب الثقة المفرطة في إمكاناته. وهي علة كبرى.
الغريب أن الضغط لزيادة عدد المرضى عند كل طبيب لا يقتصر على المنشآت الطبية الخاصة، ففي إحدى المستشفيات العامة، التى يُنفق عليها بسخاء من قِبل الحكومة، كانت الإحصاءات كل شهر تظهر أمام كل اسم طبيب عدد المراجعين الذين تعامل معهم، وكلما زاد العدد كلما زادت حظوة الطبيب عند رئيسه، وإن جاء الطبيب ضمن من تعاملوا مع عدد أقل من المرضى؛ فإن شعورًا من القلق ينتابه؛ لأن استمرار الوضع علي ذلك قد يصبح مبررًا لإنهاء عقده، رغم أن قلة عدد المرضى تنشأ في بعض الأحيان من إصرار المرضى، الذين أصبحت لديهم خبرة بالأطباء على اختيار الطبيب الذي يعطيهم الوقت ويهبهم أذنيه وعقله لضمان السلامة. يجعل هذا الطبيب الأفضل في موقع لا يُحسد عليه حين يُقيَم الأداء بالعدد. وربما كان مثل هذا التقييم مُمارسًا حتى اليوم في بعض المنشٱت الصحية- للأسف.

SalehElshehry@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *