ليس كل من يطلب الاهتمام يعرف كيف يمنحه، وليس كل من ينتظر المواقف مستعدًا للوقوف مع الآخرين. ثمة نمط من التفكير يجعل الفرد يرى احتياجاته أولوية تستحق الاستجابة، بينما ينظر إلى احتياجات المحيطين به؛ باعتبارها مطالب إضافية يستطيع قبولها أو رفضها. هنا تظهر عقلية الاستحقاق؛ حين تصبح العلاقة مساحة للحصول على ما نريد، لا مساحة نتعلم فيها كيف نتبادل العطاء والاحتواء والمسؤولية.
تتشكل هذه العقلية أحيانًا من اعتقاد راسخ، بأن الفرد يستحق معاملة خاصة، وقد تتغذى من التنشئة التي اعتادت تلبية رغباته دون تعليمه مراعاة احتياجات الآخرين، أو من تجارب جعلته يضع نفسه في مركز اهتمامه باستمرار. وقد ترتبط أيضًا بضعف القدرة على التعاطف، أو صعوبة الاعتراف بالخطأ. لكن فهم الأسباب لا يعني تبرير السلوك؛ فلكل فرد احتياجات مشروعة، غير أن مشروعيتها لا تمنحه امتيازًا دائمًا على حساب الآخرين.
ومن أكثر خفايا هذا النمط ازدواجية المعايير؛ فعندما يحتاج الفرد إلى الدعم، تصبح ظروفه وأعذاره ومشاعره أسبابًا كافية لتفهّمه، لكنه حين يُطلب منه موقف معنوي أو احتواء نفسي، قد يرى الطلب مبالغة أو ضغطًا أو تدخلًا في حريته. إنه يريد أن يُفهَم دون أن يبذل الجهد نفسه لفهم غيره، وأن يُغفر له التقصير، بينما يصعب عليه تقبّل تقصير الآخرين. والمفارقة أنه قد يشعر بالظلم عندما لا يحصل على ما اعتاد أخذه، دون أن ينتبه إلى ما حُرم منه الآخرون بسببه.
ومع استمرار هذا الخلل، يبدأ الطرف الآخر في دفع الثمن النفسي؛ فيراجع طلباته، ويبرر الغياب، ويخفض توقعاته، حتى يصبح الحد الأدنى من الاهتمام مطلبًا يخشى التعبير عنه. وقد يخلط بين المحبة والتضحية المستمرة، فيظن أن عليه الاستمرار في العطاء لإثبات صدق مشاعره. وهكذا تتحول العلاقة تدريجيًا إلى استنزاف صامت، لا لأن العطاء خطأ، بل لأن العطاء حين يصبح اتجاهًا واحدًا يفقد توازنه، ويترك في النفس شعورًا مؤلمًا بأنها موجودة لتلبية احتياجات الجميع، لا لتُرى احتياجاتها أيضًا.
إن مواجهة عقلية الاستحقاق تبدأ بالوعي، وبالتمييز بين الحق في الاحتياجات، والحق المزعوم في إخضاع الآخرين لها. فالعلاقات الصحية لا تتطلب تساوي العطاء في كل موقف، لكنها تحتاج إلى التقدير والاعتراف المتبادل والاستعداد للمراجعة والاعتذار. وليس مطلوبًا من الفرد أن يمنح فوق طاقته، كما أنه ليس من حق أحد أن يطالب الآخرين بما يرفض تقديمه باستمرار. فالنضج العاطفي لا يظهر في مقدار ما نستطيع الحصول عليه من الآخرين، بل في قدرتنا على إدراك أنهم ليسوا أقل احتياجًا منا، وأن قلوبهم ليست موارد متاحة كلما احتجنا إليها.
fatimah_nahar@
