دخل الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك- رحمه الله- أحد بساتين الطائف؛ فقدم له صاحب البستان سبعين رمانة ودجاجتين، فلما انتهى من الأكل، قال: أليس عندكم شيء يؤكل؟ ثم قال لصاحب البستان: ليس عندنا دراهم حاضرة، لكن تعال إلى مكة لنكافئك. وبعد مغادرته قيل لصاحب البستان: ألا تذهب إلى مكة؟ فقال كلا. هل أروح إليه وأقول له هات قيمة ما أكلت؟ لسان حاله يقول: لو أراد أن يكافئني لما عجز عن الوصول إلي.
هذا ما أحفظه. ثم إني رجعت إلى كتاب تاريخ الخلفاء للسيوطي فقال: وكان سليمان من الأكلة المذكورين، أكل في مجلس واحد سبعين رمانة وخروفًا وست دجاجات ومكّوك زبيب طائفي. بلا شك خروف صغير ودجاج غير محقون بالهرمونات. وأظن أن الخليفة التهم هذا الطعام في زيارتين. في الأولى أكل الخروف، وفي الثانية أكل الدجاجات الست؛ إذ لا تتسع المعدة البشرية للكميتين المذكورتين في كتب التاريخ. وما آفة الأخبار إلا رواتها. وإذا عرضنا كلام المؤرخين على مصطلحات الحديث من صحيح وحسن ومشهور وغريب وضعيف ومنكر ومتروك ولا شيء ومكذوب، فالقصة عن أكل خروف وست دجاجات وسبعين رمانة والزبيب في مجلس واحد مضطرب جدًا.
لقد ورد لفظ الرمان في القرآن الكريم أكثر من مرة، وهو كغيره من الفواكه كما قال بعض المفسرين للتنعم لا للتغذية. ومن تأمل في صناعته لا يملك إلا القول: سبحان الخلاق اللطيف. وكنت خلال الخمسين سنة الماضية إذا اشتريته تقدمه لي عقيلتي- رحمها الله- وقد نثرت حبيباته في وعاء، وعليه ملعقة جاهزًا للأكل. وبعد أن اختارها الله صرت أتلذذ بالنهش من هذه الفاكهة البديعة الصنع النضيدة الشكل الشهية اللون. ناهيك عن الهندسة العجيبة في وجود حجيرات صغيرة في كل رمانة سبع أو ثماني حجيرات. وتتراوح كميات الحبيبات في كل حجيرة ما بين عشر إلى ثلاثين حبيبة. وهو في الجنة يشبه ما عندنا في الدنيا، كما قال تعالى “كلما رزقوا منها من ثمرة رزقًا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابهًا”. لكن الحجم وما أدراك ما الحجم! فقد ورد عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: نظرت إلى ثمر الجنة فإذا الرمانة فيها مثل الجمل المقتّب. والقتب هو جهاز الجلوس للراكب على الجمل. وعند تناول الرمان بالنهش، فذلك يستهلك من وقتك عدة دقائق لكل رمانة. وأكل سبعين رمانة إذا وافقنا على حكاية أكلها في مجلس واحد يعني أكثر من ساعتين.
ولا يضر ما يلتصق بحبيبات الرمانة من غشاء خفيف، كما لو كان ستائر بين كل غريفة وأخرى سهل القضم والهضم. والرمان أيضًا دواء، ويقال: إنه نافع لعلاج تضخم البروستاتا.
وشراب الرمان حكاية درامية ثانية.
الرمان
