مقالات الكتاب

حين يصبح الذكاء الاصطناعي سراً مهنياً

الرجل الذي يكتشف طريقة بسيطة تجعله ينجز عمله في نصف الوقت، أو حيلة صغيرة تزيد دخله أو ثروته، لن يطرق أبواب الآخرين ليخبرهم بها. في الغالب سيحتفظ بها لنفسه، وربما يجيب بابتسامة غامضة إذا سأله أحد عن سر نجاحه. ليست المسألة دائمًا أنانية بالمعنى الأخلاقي، بقدر ما هي جزء قديم من الطبيعة البشرية: نحن نعرف قيمة المعلومة التي تمنحنا أفضلية، ولهذا لا نتخلى عنها بسهولة. ويبدو أن الذكاء الاصطناعي أعاد هذه الغريزة القديمة إلى المكاتب، ولكن في صورة أكثر إثارة للاهتمام.
تخيل موظفًا في شركة سعودية كبيرة اكتشف بعد أشهر من التجربة، طريقة لاستخدام الذكاء الاصطناعي تختصر مهمة كانت تستغرق منه ثلاث ساعات إلى عشرين دقيقة. لم ترسل له الشركة دليلًا، ولم يعلمه مديره كيف يفعل ذلك. جرّب، وأخطأ، وأعاد صياغة أوامره عشرات المرات، حتى توصل إلى الطريقة المثالية. فجأة أصبح ينجز أكثر من زملائه، ويسلم أعماله بسرعة لافتة، ويرتكب أخطاء أقل. مديره يراه موظفًا استثنائيًا، وربما يفكر في ترقيته، لكنه لا يعرف أن خلف هذا الأداء مساعدًا خفيًا لا يظهر في تقارير الإنتاجية. ثم يأتي زميله ذات صباح ويسأله: كيف تفعل ذلك بهذه السرعة؟ هنا تبدأ المعضلة الحقيقية. هل يعطيه الأمر الذي أمضى شهورًا في تطويره، أم يحتفظ به؛ باعتباره جزءًا من رأسماله المهني؟
هذه ليست فرضية بعيدة. ففي يونيو 2026 نشر مقال للباحثين إريك أنيسيتش، وجيسلين برويرز بعنوان” لماذا لا يتسم الموظفون بالشفافية بشأن استخدامهم للذكاء الاصطناعي؟”. يبدأ المقال بقصة طبيب يبلغ 31 عامًا طوّر بنفسه قالبًا للأوامر يعطي نتائج ممتازة، بينما كان زملاؤه يعانون مع الأداة نفسها. وما اكتشفه الباحثان يتجاوز مسألة استخدام تقنية جديدة إلى سؤال أكثر إنسانية: ماذا يحدث عندما تتحول معرفة استخدام الذكاء الاصطناعي إلى ميزة تنافسية شخصية؟
وهذا سؤال يستحق أن نطرحه في سوق العمل السعودي. نحن نتحدث كثيرًا عن تدريب الموظفين على الذكاء الاصطناعي، لكن ربما تبدأ المشكلة الأكثر إثارة بعد انتهاء التدريب. فإذا اكتشف موظف طريقة تجعله أسرع وأكثر إنتاجية من الآخرين، فلماذا نتوقع منه أن يتبرع بسر تفوقه؟ خصوصًا إذا كانت المؤسسة نفسها تقارن أداءه بزملائه، وتربط الترقيات والمكافآت بقدرته على التفوق عليهم.
قد نكون أمام شكل جديد تمامًا من احتكار المعرفة داخل الشركات. في الماضي كان الموظف يخفي معلومة أو علاقة أو خبرة تراكمت عبر السنوات. أما اليوم فقد لا يخفي شيئًا يمكن العثور عليه في ملف أو بريد إلكتروني؛ إنه يخفي الطريقة التي يتحدث بها مع التقنية.
وهنا ربما تحتاج الشركات إلى إعادة التفكير في الحوافز. فبدل أن تسأل الموظف: لماذا لم تشارك طريقتك مع الآخرين؟ قد يكون السؤال الأذكى: ماذا سنمنحك مقابل أن تفعل؟
فالذكاء الاصطناعي لن يغير فقط طريقة إنجاز العمل، بل قد يغير معنى الخبرة والملكية والمنافسة داخل المكتب. وفي المستقبل، قد لا يكون أثمن موظف في الشركة هو من يعرف الإجابة، ولا حتى من يعرف كيف يطوع التقنية، بل من ترى المؤسسة أن معرفته تستحق المكافأة عندما يحول سر تفوقه الشخصي إلى معرفة يتفوق بها الجميع.