شبّه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الجليس الصالح بحامل المسك؛ فقال:” مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة.
وكلما تأملت هذا المعنى العظيم خطر في بالي وطني؛ فالسعودية في محيطها العربي والإسلامي، بل وفي عالمها الإنساني، ظلت كحامل المسك؛ إن لم يصلك من خيرها عطاء، وصلتك رائحته، وإن لم تكن ممن احتاجوا وقفتها يوماً، رأيت أثر وقفاتها مع غيرك. هذا الوطن لم يكن يوماً منغلقاً على خيراته ومقدراته، بل أدرك منذ تأسيسه أن القوة مسؤولية، وأن النعمة تستوجب الشكر، وأن من شكر النعم أن يمتد خيرها إلى الآخرين، مستحضراً قيمة قرآنية عظيمة: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى).
والمتتبع لمواقف المملكة عبر العقود يرى شواهد ذلك ماثلة أمامه؛ فما تكاد تحل كارثة أو أزمة إنسانية في بلد عربي أو إسلامي، بل وفي بقاع مختلفة من العالم، إلا ويكون للسعودية حضورها: إغاثة للمنكوبين، وغذاء للجائعين، ودواء للمرضى، وإيواء للمتضررين، ومساندة للشعوب التي أنهكتها الحروب والكوارث.
وفلسطين، التي ظلت قضيتها حاضرة في وجدان المملكة ومواقفها، شاهد على ثبات الموقف السعودي تجاه قضايا أمته، كما تشهد ميادين الإغاثة في دول عديدة على أن اليد السعودية حين تمتد بالخير لا تسأل الجائع عن عرقه، ولا المصاب عن مذهبه، ولا الطفل الذي هُدم بيته عن موقف بلاده السياسي.
فالإنسان ساعة الكارثة يحتاج من يمسح دمعته قبل أن يسأله عن اسمه.
ولم يكن عطاء المملكة مالاً فقط؛ فكم سعت إلى جمع كلمة، وحقن دم، وتقريب متخاصمين، وإطفاء نار فتنة قبل أن تأكل الأخضر واليابس. وكم تحملت من إساءات وتجنيات وحملات، لكنها ظلت تدرك أن الدول الكبيرة لا تدير أخلاقها بردود الأفعال، ولا تتخلى عن مبادئها لأن أحداً جحد معروفها. وهنا يحضر المعنى القرآني الرفيع: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).
أما الحكاية الأعظم لهذا الوطن مع العطاء، فتُقرأ كل يوم في مكة المكرمة والمدينة المنورة المدينتين المتقدة بالخدمات الراقية على مدار الساعة ولا عجب فهي تحت رعاية قيادة البلد الأمين (رب اجعل هذا البلد آمنا) آمين.
هنا وطن شرّفه الله بخدمة الحرمين الشريفين، فحمل الأمانة، وسخّر الأموال والطاقات والتقنية والأمن والصحة والنقل والخدمات؛ من أجل ضيوف الرحمن. يأتي المسلم من أقصى الأرض، مختلف اللغة والثقافة واللون، فلا يُسأل من أين جاء بقدر ما يكون السؤال: كيف نخدمه؟ وكيف نعينه على أداء نسكه آمناً مطمئناً؟
وتلك وحدها ملحمة عطاء تتجدد؛ ملايين البشر يفدون إلى هذه الأرض المباركة، فتفتح لهم قلبها قبل أبوابها، وتسهر أجهزة الدولة ورجالها ونساؤها على خدمتهم، ثم يعودون إلى أوطانهم حاملين في ذاكرتهم صورة وطن جعل خدمة الحاج والمعتمر شرفاً ومسؤولية، لا موسماً للمباهاة.
ولعل أجمل ما في عطاء المملكة أنه لا يُقرأ بمنطق المنّة؛ فالقرآن الذي علّمنا العطاء علّمنا كذلك أدبه: (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى). فالمعروف يزداد جمالاً حين يُصنع، ثم يُترك أثره يتحدث عنه.
وقد يختلف مع المملكة من يختلف، وقد ينكر فضلها من ينكر، بل قد تأتيها الإساءة أحياناً ممن وصل إليهم شيء من خيرها؛ وتلك طبيعة البشر…فليس كل من شمّ الطيب قال لصاحبه شكراً!
لكن حامل المسك لا يغير ما في وعائه لأن أحداً جحد طيبه، ولا يستبدل العطر بالدخان لأن آخر أساء إليه.
وهكذا كانت السعودية وستظل- بإذن الله- وهكذا نريدها دائماً: قوية بلا ظلم، كريمة بلا منّة، حازمة حين يستوجب الموقف الحزم، رحيمة حين يستغيث بها محتاج، جامعة لا مفرقة، وصاحبة يد بيضاء تمتد بالخير حيث تستطيع.
وستظل السعودية- بإذن الله- مشعل نور، ومنبع خير، وموئل أمن، وسنداً لقضايا أمتها، وحاضنة للحرمين الشريفين وضيوف الرحمن؛ يحفظها الله بقيادتها وشعبها ومقدساتها ومقدراتها من كل سوء.
وسيظل العابرون في طرق الحياة مختلفين؛ منهم من يعرف للمعروف قدره، ومنهم من يجحده، ومنهم من ينساه…
أما السعودية فستظل كحامل المسك؛ لا يضير المسك من أنكر طيبه، ولا يمنع العطرَ من الانتشار أن أحداً جحد عبيره. وسنظل نحبها ونتغنى بحبها ما شاء الله لنا البقاء وكل عام ووطني بخير وأمن وسعادة وازدهار. ودمتم. (اللهم زد بلادنا عزاً وتمكيناً وزدنا بهاً عشقاً ووفاءً).
وتظل السعودية دوماً كحامل المسك
