لم تعد المواطنة في هذا العصر مجرد انتماء نحمله في الهوية، أو كلمات نقولها في المناسبات، بل أصبحت سلوكاً يومياً يظهر بوضوح عندما يمر الوطن بظرف استثنائي. وحين تصبح مسؤولية الفرد جزءاً من مسؤولية المجتمع كله. لقد تغير العالم، وتغيرت معه طبيعة الأخطار. لم تعد التحديات تقف عند الحدود، ولم يعد الأمن مرتبطاً فقط بما يحدث في البر، أو البحر أو السماء. فإلى جانب الصواريخ والطائرات المسيّرة والمخاطر العسكرية التقليدية. ظهر ميدان جديد لا يقل تأثيراً: ميدان المعلومة. وفي هذا الميدان قد تتحول صورة قديمة، أو خبر غير موثق، أو مقطع مصنوع بالذكاء الاصطناعي، أو تعليق عابر في منصة اجتماعية إلى مادة تنتشر بين الملايين خلال دقائق؛ فتربك الناس وتضاعف القلق وتمنح الشائعة حياة أطول من الحقيقة. هنا يولد معنى جديد للمواطنة. المواطن في العصر الرقمي لم يعد مجرد متلقٍ للأحداث؛ فقد أصبح- شاء أم أبى- جزءاً من صناعة تدفق المعلومات. الهاتف الذي بين يديه يمكن أن يكون نافذة للمعرفة. كما يمكن أن يصبح ممراً للشائعة؛ ولهذا فإن ضغطة زر واحدة قد تتحول إلى موقف وطني حين يسبقها الوعي والتحقق، والشعور بالمسؤولية، وفي أوقات الأزمات تتضاعف أهمية الإعلام، فالناس لا يحتاجون إلى من يرفع مستوى القلق، بل إلى إعلام يشرح ما يحدث بوضوح، ويفصل بين الخبر والتحليل، وبين الحقيقة والتخمين. فالإعلام العصري لا تُقاس قيمته بمن يصل أولاً، وإنما بمن يصل إلى الناس بالمعلومة الأدق والأكثر اتزاناً. وفي المستقبل ستكون المصداقية أثمن من السرعة؛ لأن الذكاء الاصطناعي سيجعل صناعة المحتوى المزيف أكثر سهولة وإقناعاً، ومع الإعلام يقف قادة الرأي والمؤثرون أمام مسؤولية جديدة. فعدد المتابعين لم يعد مجرد رقم، بل مساحة من التأثير. والكلمة التي يكتبها مؤثر اليوم قد تصنع مزاجاً عاماً خلال دقائق؛ لذلك سيكون مستقبل التأثير مرتبطاً لا بالشهرة وحدها، وإنما بوعي صاحبه بقيمة الكلمة وبالنتائج التي يمكن أن تتركها في المجتمع، والمواطنة المقبلة ستتطلب أكثر من ذلك. سنحتاج إلى مواطن يفهم الأمن السيبراني، ويحمي بياناته، ويميّز المحتوى الحقيقي من المصطنع ويتعامل مع التكنولوجيا؛ بوصفها مسؤولية لا مجرد وسيلة للترفيه. فربما يصبح الدفاع عن الوطن في بعض المواقف مرتبطاً بحماية معلومة، أو بعدم نشر صورة، أو بإيقاف شائعة قبل أن تبدأ رحلتها، وفي المقابل تبقى الطمأنينة ركناً مهماً من الوعي الوطني؛ طمأنينة تقوم على الثقة في مؤسسات الدولة، وقدرتها على حماية الأرض والإنسان والمقدرات، دون تهوين من المخاطر أو تضخيم لها. لقد تغير شكل العالم، ولذلك تتغير معه صورة المواطن. مواطن المستقبل لن يكون الأعلى صوتاً، بل الأعمق وعياً؛ والإعلام الأقوى لن يكون الأسرع، بل الأصدق؛ وقائد الرأي الأكثر تأثيراً لن يكون صاحب أكبر جمهور، بل صاحب أكبر إحساس بالمسؤولية؛ فأمن الوطن في القرن الحادي والعشرين لا يبدأ عند الحدود وحدها، بل قد يبدأ من شاشة صغيرة في يد كل واحد منا.
المواطنة في زمن الشاشة
