في بيئات العمل الحديثة، لم تعد الوظيفة مجرد مصدر للدخل، بل أصبحت جزءاً مهماً من استقرار الإنسان وشعوره بالتقدير وقيمة ما يقدمه. ومن هنا تبرز أهمية التحفيز الوظيفي، وفي مقدمة أدواته وجود مسار واضح وعادل للترقية، يكافئ الكفاءة والأداء والخبرة، ويمنح الموظف أفقاً مهنياً يستطيع أن يرى من خلاله مستقبله داخل المؤسسة.
فالترقية ليست مجرد انتقال من مرتبة أو مستوى وظيفي إلى آخر، كما لا ينبغي أن تكون مكافأة تخضع لتقدير الإدارة أو توقيتاتها غير المنتظمة، وإنما أداة مؤسسية لإدارة رأس المال البشري. ولذلك فإن الموظف الذي يستوفي متطلبات الترقية ومعاييرها من الطبيعي أن يتوقع النظر في استحقاقه، ضمن إطار زمني واضح وشفاف، وفق الأنظمة والضوابط المعتمدة.
وتبدأ المشكلة عندما يصبح النظر في الترقيات غير منتظم، أو يتأخر لسنوات دون أسباب موضوعية واضحة؛ لأن آثار ذلك لا تقف عند الموظف، بل تنتقل إلى المؤسسة نفسها. فحين يشعر الموظف بأن سنوات الخبرة والأداء والإنجاز لا تقود إلى تقدم مهني عادل، قد تتراجع الدافعية والمبادرة، ويضعف الحافز نحو التطوير والتميز، ويصبح الفارق بين المجتهد وغيره أقل وضوحاً.
وهنا تظهر تكلفة مؤسسية قد لا تظهر مباشرة في التقارير المالية؛ تتمثل في انخفاض الإنتاجية، وضعف الارتباط الوظيفي، وفقدان بعض الكفاءات أو انتقالها إلى جهات توفر مسارات مهنية أفضل. وقد تكون تكلفة فقدان موظف ذي خبرة، واستقطاب بديل وتدريبه وتأهيله، أكبر من تكلفة بناء نظام أكثر انتظاماً وكفاءة للترقيات.
كما أن لتأخر الترقية بعداً اقتصادياً واجتماعياً؛ فهي ترتبط غالباً بتحسن الدخل وقدرة الموظف على مواجهة تكاليف المعيشة والالتزامات الأسرية والسكنية والتعليمية. ولذلك فإن تجمد المسار المهني سنوات طويلة قد يمتد أثره من بيئة العمل إلى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للأسرة.
والأهم أن تقوم الترقية على الاستحقاق والشفافية، لا على العلاقات الشخصية أو القرب من دوائر القرار. فالعدالة لا تعني ترقية الجميع، وإنما أن يعرف الجميع المعايير، وأن تتاح لهم فرص متكافئة، وأن يكون الأداء والكفاءة والإنجاز أساساً للمفاضلة.
وتزداد حساسية العدالة الوظيفية عند الحديث عن الترقيات الاستثنائية؛ فالاستثناء يفقد مبرره إذا لم يستند إلى معايير دقيقة ومعلنة تميز الأداء الاستثنائي فعلاً. كما أن غياب الشفافية في منح هذه الترقيات قد يخلق انطباعاً بأن القرب من دوائر القرار، أو وجود داعم مؤثر داخل المؤسسة، أكثر أثراً من الإنجاز والكفاءة. وحتى إن لم يكن هذا الانطباع دقيقاً في جميع الحالات، فإن مجرد تشكله يضر بالثقة والعدالة التنظيمية. ولذلك فإن حماية قيمة الترقية الاستثنائية تقتضي وضوح معاييرها، وتوثيق مبرراتها، وحوكمتها بما يحد من تضارب المصالح ويضمن تكافؤ الفرص.
ويرتبط بعدالة الترقية جانب آخر لا يقل أهمية، وهو عدالة الوصول إلى فرص التدريب والتطوير المهني، خصوصًا عندما تدخل الدورات التدريبية ضمن عناصر المفاضلة أو احتساب نقاط الترقية. فليس من العدل أن يُطالب الموظف بتحقيق نقاط تدريبية محددة، بينما لا تتاح فرص التدريب للجميع وفق آلية واضحة ومتوازنة. كما أن ترك الترشيح للدورات للاجتهادات الإدارية أو العلاقات الشخصية، أو تركز الفرص لدى العاملين الأقرب إلى الإدارات العليا، قد يخلق تفاوتاً لا يرتبط بالكفاءة بقدر ما يرتبط بإمكانية الوصول إلى الفرصة نفسها. وتزداد الإشكالية عندما يؤدي نقص هذه النقاط لاحقاً إلى تأخر الموظف في الترقية؛ فيصبح مطالباً بمعيار لم تتح له فرصة متكافئة لتحقيقه. ولذلك فإن عدالة الترقية لا تبدأ عند المفاضلة بين الموظفين، بل تبدأ من عدالة الفرص التي تمكّنهم من استيفاء متطلباتها.
كما ترتبط عدالة الترقية بموضوعية تقييم الأداء الوظيفي؛ فحين يكون الأداء أحد معايير المفاضلة، ينبغي أن تكون آليات قياسه واضحة وعادلة وقابلة للتحقق. وتبرز أهمية ذلك بصورة أكبر في بعض الوظائف الإدارية والمساندة، كالسكرتارية والأعمال التنسيقية والتنفيذية، التي قد لا تكون جميع مخرجاتها قابلة للقياس المباشر بسهولة، مما قد يجعل تقييمها أكثر عرضة للاجتهاد أو الانطباع الشخصي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء أطر ومؤشرات أداء تتناسب مع طبيعة كل وظيفة، وتقيس جوانب مثل جودة الإنجاز، والدقة، والالتزام بالوقت، وكفاءة تنفيذ المهام، ومستوى الخدمة، مع تقليل الاعتماد على التقدير الشخصي للرئيس المباشر قدر الإمكان. فليس من العدل أن يكون الأداء معياراً مؤثراً في الترقية إذا لم تكن طريقة قياسه واضحة ومتسقة وقابلة للتحقق.
ومن القضايا التي تستحق المراجعة أيضاً محدودية المسار الوظيفي في بعض المهن والتخصصات؛ إذ قد يصل الموظف المهني أو المتخصص إلى مستوى معين ثم يجد أن فرص تقدمه أصبحت محدودة، مهما تراكمت خبرته وتطورت كفاءته. وقد يدفع ذلك بعض الكفاءات إلى مغادرة مسارها التخصصي، أو الاتجاه إلى مواقع إدارية لا لكونها الخيار المهني الأنسب، وإنما لأنها تتيح فرصاً أكبر للتقدم الوظيفي. والأجدى بناء مسارات مهنية وتخصصية متدرجة وموازية للمسار الإداري، تتيح للخبير والمتخصص الوصول إلى مستويات متقدمة دون أن تصبح الإدارة الطريق الوحيد للنمو الوظيفي.
ولعل تطوير منظومة الترقيات يستدعي النظر إليها ضمن إستراتيجية متكاملة لرأس المال البشري، تتضمن مسارات وظيفية معلنة، ودورات منتظمة للنظر في الترقيات، ومعايير قابلة للقياس، وربط التقدم الوظيفي بالأداء والتطوير المهني. كما ينبغي أن تقيس المؤسسات متوسط مدة الانتظار للترقية، ونسبة المستحقين الذين لم تتح لهم فرص التقدم وأسباب ذلك، وتوزيع الترقيات الاستثنائية ومبرراتها، وعدالة توزيع فرص التدريب والتطوير، وموضوعية مؤشرات تقييم الأداء وملاءمتها لطبيعة الوظيفة، ومدى توافر مسارات مهنية متقدمة للتخصصات المختلفة.
فالترقية العادلة ليست تكلفة مالية ينبغي الحد منها، بل استثمار في الأداء والكفاءات والاستقرار المؤسسي. والمؤسسات التي تطمح إلى التميز لا يكفي أن تستقطب الكفاءات، بل عليها أن تمنحها فرصاً عادلة للتدريب والتطور والترقي، وأسباباً حقيقية للبقاء والعطاء. ومن هنا فإن السؤال الذي يستحق أن يكون أمام صانع القرار ليس فقط: كم تبلغ تكلفة الترقيات؟ بل أيضاً: ما تكلفة تأخيرها، أو غياب العدالة في الفرص والمعايير المؤدية إليها، على الموظف والمؤسسة معاً؟
awasel64@
