مقالات الكتاب

ثبات في زمن العواصف

هناك لحظات لا تحتمل اللغة الرمادية، ولا يصلح معها الوقوف في منتصف الطريق. وحين يتعلق الأمر بأمن الوطن وسيادته، تصبح الكلمات واضحة بوضوح الموقف نفسه. السعودية ليست ساحةً لأحد، وأمنها ليس ورقةً في حسابات الآخرين.
في منطقة اعتادت أن تدفع ثمن صراعات لم تصنعها شعوبها، بقيت المملكة تتعامل مع الأحداث بعقل الدولة، لا بانفعال اللحظة؛ تزن المواقف، وتحسب النتائج، وتعرف متى يكون الصمت حكمة، ومتى يصبح الحزم ضرورة. ومن يظن أن ضبط النفس ضعف، يخطئ في قراءة السعودية. فالدول الكبيرة لا تستعرض قوتها عند كل حادثة، ولا ترفع صوتها لتثبت حضورها؛ لأنها تعرف حجمها، ويعرف الآخرون جيدًا ماذا يعني تجاوز حدودها. والقوة الحقيقية ليست في كثرة التهديد، وإنما في امتلاك القرار، والقدرة على حماية الأرض والإنسان والمصالح الوطنية عندما تقتضي الضرورة.
الأحداث التي تمر بها المنطقة اليوم تقول بوضوح إن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة شديدة الحساسية، وإن العبث بأمن الدول ومحاولة نقل الصراعات إلى أراضيها لن يصنع انتصارًا لأحد، بل يفتح أبوابًا لا يعرف أحد إلى أين تنتهي. وفي قلب هذا المشهد تقف السعودية بثقلها السياسي والاقتصادي، وبمكانتها العربية والإسلامية والدولية، وبمشروع وطني ضخم اختار البناء في زمن يتسابق فيه آخرون إلى الهدم.
وهنا تكمن المسألة. السعودية اليوم لا تحمي حدودًا جغرافية فحسب، بل تحمي مشروع دولة تتجه إلى المستقبل، واقتصادًا مؤثرًا، ومنشآت ومقدرات وطنية، وأمن ملايين المواطنين والمقيمين. ومن يحاول العبث بهذا الاستقرار عليه أن يدرك أن المملكة ليست دولة هامشية يمكن استخدامها لتصفية الحسابات، ولا أرضًا مباحة لصراعات الآخرين.
لكن المعركة في زمننا لم تعد عسكرية فقط.هناك معركة أخرى تدور في الهواتف والمنصات، حيث يمكن لشائعة أن تعبر آلاف الكيلومترات في ثوانٍ، ولمقطع مجهول أن يتحول إلى “خبر عاجل”، ولحساب مجهول الهوية أن يحاول صناعة الخوف داخل مجتمع كامل. ولهذا فإن المواطن الواعي اليوم يقف في خط الدفاع الأول عن وطنه؛ ليس بحمل السلاح، وإنما بحمل المسؤولية. فلا يعيد نشر كل ما يصله، ولا يمنح الشائعة عمرًا أطول، ولا يسمح لمن يبحث عن الفوضى أن يستخدم هاتفه للوصول إلى الداخل.
الوطنية في الأزمات ليست صورةً ولا شعارًا ولا قصيدة حماسية.الوطنية موقف.أن تثق بدولتك دون أن تفقد وعيك، وأن تدافع عن وطنك ، وأن تعرف أن استقرار البلاد ليس تفصيلًا عاديًا نكتشف قيمته بعد فقده، بل نعمة ومسؤولية تستحق أن نحميها كل يوم.
أن تنظر إلى عالم مضطرب، ثم تنظر إلى بلدك، فتدرك أن خلف هذا الأمن دولةً لم تُبنَ في يوم، وأن خلف هذا الاستقرار رجالًا ومؤسسات، وأن خلف هذه الراية تاريخًا طويلًا من التحديات التي عبرتها السعودية وبقيت واقفة.من حق الآخرين أن يختلفوا، وأن تتقاطع مصالحهم، وأن يخوضوا حساباتهم السياسية كما يريدون.لكن ليس من حق أحد أن يجعل السعودية ميدانًا لها.هذه بلاد تعرف السلام، وتسعى إليه، لكنها تعرف كذلك كيف تحمي نفسها. والفرق كبير بين دولة تبحث عن الحرب، ودولة لا تبحث عنها، لكنها لا تسمح لأحد أن يفرضها عليها. وكلنا في خدمة الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *