مقالات الكتاب

وسع صدرك !!

* بعيدًا عن معركة نقيب الموسيقيين المصريين المفتعلة مع الناقد الفني المميز طارق الشناوي، التي وضعت أوزارها بعد تدخل الوسطاء والأجاويد، هناك ثمة تساؤلات يجب إعادة طرحها مرارًا، يأتي في صدر قائمتها:
إلى أي مدى يمكن أن يكون النقد حادًا وحارقًا..؟ وهل نحن بطبعنا نتقبَّل النقد بصدر رحب، ونبحث عن شيء من النُصح بين السطور المكتوبة، أم أن تركيبتنا العصبية والسيكلوجية ضد تقبُّل النقد تمامًا، ومُصمَّمة على رفض الإرشاد و(قبول النصيحة)؟، وهل وصلنا لدرجة كافية من الوعي تجعلنا نعي حقيقة أن مجرد الكتابة عنك (سلبًا أو إيجابًا) هي اعتراف ضمني بوجودك وتأثيرك، وأن تغييبك عن المشهد الإعلامي عقوبة قاتلة، خاصة أننا نعيش في عصر يحمل أصحابه (ذاكرة مثقوبة) تحفظ الأسماء بسرعة، وتُسقطها بضِعف تلك السرعة التي حملتها بها. وهل هناك من يستفيد مما يُكتب عنه فيجادل هذا بحب، ويختلف مع ذاك بوُد، ويسعى كل طرف للترسيخ لرؤيته وإقناع الآخرين بها؟
* بحكم تجربتي الطويلة مع الصحافة الفنية وأهل الفن، لاحظت بعض النقاط التي تستحق أن نوردها تعليقًا حول هذه الأزمة المفاهيمية:
أولًا: إذا أشدت بفنان ما في أغنية معينة، وقلت إن كلماتها الرصينة أعجبتك ولحنها الآسر خطف انتباهتك، والأداء أضفى عليها بُعدًا جماليًا نافس الكلمة واللحن، سيحدث الآتي: (اتصال هاتفي من الفنان أو الفنانة منذ الصباح الباكر يشكرك فيه على فهمك العميق، وثقافتك الفنية “الخطيرة”، ورؤيتك “التي لا يمكن لأحد أن يصل لها”، وسيتغزل ذلكم الفنان في قلمك ومقالاتك في جلساته المختلفة، وستكون عنده مثالًا للصدق والعمق والنزاهة والأمانة والمهنية، والفهم المتقدم والصحافة الرصينة
و(… و….!!).
.. وذات الفنان إذا دارت دورة الأيام، وانتقدت أغنية من أعماله، وقلت إن كلماتها ركيكة أو مستهلكة أو مكررة، واللحن أكثر من عادي، بينما جاء الأداء جنائزيًا وفاترًا ومنزوع الإحساس، فإنه لن يرجع للاستماع للأغنية لاحتمالية أن تكون رؤيتك صائبة و”خطيرة”، مثلما حدث في المرة الفائتة، بل سيترك كل ما كتبته ويبدأ في الحديث عن عدم مهنيتك، وبحثك عن التواجد، وفقدانك للقدرة على استيعاب الأغنية، وعجزك عن قراءتها فنيًا والتعاطي معها، وسيعمل على “شيل حسك” في أي جلسة تجمعه بموسيقي أو فنان أو إعلامي أو حتى مستمع، و”الذاكرة المثقوبة” ستجعله ينسى غزله القديم في كتاباتك، ما بين طرفة عين وانتباهتها، وستصبح فجأة في نظره (كاتبًا بلا ضمير) و(قلمًا غير مؤهل أو مستنير)..!
* ثانيًا: كثير من المشتغلين بالفنون يتركون (النقد المكتوب) ويركزون على (كاتب النقد)، وهذه إشكالية أخرى..!!
* ثالثًا: الأقلام المحسوبة على الصحافة عمومًا، والتي ولجت من الأبواب الخلفية في غفلة من (الرقيب المهني) لا تُعمّر طويلًا، وسرعان ما يكتشف القارئ أبعاد حروفها الصدئة ودوافعها (الشخصانية) فتتلاشى مقالاتها الفطيرة والعقيمة.
* رابعًا: هناك من يدلون بتصريحات ساخنة وجريئة، وما إن يعلِّق عليها كاتب حتى تبدأ رحلة (التملُّص المُخزي) منها عند اكتشاف ردود فعلها، ناسين أنه (إذا كنت ذا رأى فكن ذا عزيمة، فإن فساد الرأي أن تترددا).
* المصيبة أن كل (صاحب عمل) يرى ما يقدمه منزهًا ولا يقبل النقد وتناول ما فيه من قصور، والمصيبة الأكبر أن يكون صاحب ذاك الفهم رجلًا قياديًا أو فنانًا نقيبًا ومسؤولًا ..!
نفس أخير
* (نقيب) زماننا والعيب فينا، ولا لزماننا عيب سوانا.

haythamcapo77@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *