مقالات الكتاب

سوق رغدان.. ذاكرة المكان وعبق التاريخ

ليست الأسواق القديمة مجرد أماكن للبيع والشراء، فبعضها يتحول مع الزمن إلى ذاكرةٍ حيّة تختزن ملامح المجتمع، وتروي شيئاً من تاريخه، وتكشف عن مستوى حضارته وتنظيمه وصلاته بمحيطه. ومن هذه الأسواق التي تستحق أن تستعيد حضورها، ومكانتها سوق رغدان التاريخي، الذي كان واحداً من أبرز أسواق المنطقة الجنوبية، واحتل منزلة مهمة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية لقبيلتي غامد وزهران، وما جاورها، فكان مسرحاً للحياة وملتقى للطرق ومرآةً للمجتمع وشاهداً على تحولات التاريخ.
وتشير روايات الرحالة والمصادر التاريخية إلى أن سوق رغدان كان يُعد السوق الرسمي لبلاد غامد، وهي منزلة لا يبلغها سوق عابر، وإنما يصنعها الموقع ويكرّسها الأمن، ويمنحها الناس حضورها. فقد كان مقصداً للمتسوقين من جهات متعددة، بما عُرف به من وفرة المعروض وتنوع السلع واتساع الحركة التجارية والاجتماعية.
ولم يكن أمن السوق أمراً هامشياً في ذلك الزمن، فقد عُرف بنظام دقيق تحكمه «عقود السوق»، بما تضمنته من قواعد تحفظ الحقوق وتنظم التعاملات، وتضبط العلاقة بين المتبايعين والمترددين عليه، ليكون السوق مكاناً للتجارة ومنظومة اجتماعية لها أعرافها وهيبتها ونظامها.
وزاد موقعه بين غامد وزهران من أهميته، فكان نقطة التقاء تتقاطع عندها المصالح والطرق والعلاقات، ويجتمع فيها الناس من السراة وتهامة والبادية، فيتبادلون السلع والأخبار والمعارف.
ولرغدان ميزة أخرى، فقد كانت محطة رئيسة في طريق الحج القادم من اليمن قديماً، ما منح السوق بعداً إنسانياً وثقافياً يتجاوز وظيفته التجارية. وكان نشاطه في تلك المواسم يستمر ثلاثة أيام، فتتحول القرية إلى ملتقى للحجاج وأهالي المنطقة، وتتلاقى فيه اللهجات والعادات والأخبار.
ولم يكن اختيار موقع السوق عفوياً، فقد كان يتوسط القرية، وتؤدي إليه اثنا عشر طريقاً من جهات مختلفة، بما يكشف عن وعي عمراني وتنظيمي، ويؤكد مركزيته ودوره في حياة القرية ومحيطها.
وحين نتحدث عن سوق رغدان، فإننا لا نستطيع أن نفصله عن رغدان نفسها، تلك القرية التي كانت من أكبر قرى المنطقة وأكثرها حضوراً، ومركزاً ذا وزن اجتماعي وسياسي، ارتبط بمراحل مختلفة من تاريخ المنطقة.
وفي هذه الأرض مرّ التاريخ، ووقعت أحداث تركت أثرها في الذاكرة المحلية، ومن أبرزها المواجهات بين رجال القبيلتين والقوات العثمانية، وما انتهت إليه من مقتل المتصرف وعدد من القيادات، لتبقى شاهداً على فاعلية رغدان في المشهد التاريخي.
ثم يأتي التراث العمراني ليضيف إلى رغدان طبقة أخرى من الجمال والقيمة. فالأحياء القديمة ومبانيها الحجرية المتناسقة تكشف عن براعة الإنسان المحلي في بناء بيئته بما يلائم تضاريس المكان ومناخه واحتياجاته.
فتلك المباني ليست حجارة صامتة، بل صفحات من كتاب المكان، تحمل جدرانها ونوافذها ومسراباتها آثار أجيال عاشت هنا وتركت شيئاً من روحها.
ولهذا؛ فإن إعادة تأهيل المباني التاريخية في رغدان ليست ترميماً لجدران قديمة فحسب، وإنما هي ترميم للذاكرة وحماية لجزء أصيل من هوية المنطقة، وجسر يصل الماضي بالحاضر والأجيال القادمة.
ومن هنا تأتي أهمية الجهود المبذولة لإحياء سوق رغدان وإعادة تقديمه، فإحياء الأسواق التاريخية لا يعني إعادة الماضي بحذافيره، وإنما استخراج قيمته ومنحه حياة جديدة، ليصبح التراث تجربة حية ووجهة ثقافية وسياحية نابضة.
وقد أكدت الفعاليات والبرامج، التي شهدتها رغدان خلال موسم الصيف الحالي، وما سبقها من فعاليات، أن المكان لا يزال يمتلك قدرته على استقطاب الناس. كما مثلت برامج ومبادرات جمعية التنمية والخدمات الاجتماعية برغدان، بدعم إمارة المنطقة ومتابعة أمانة المنطقة وهيئة التراث، وجهد شيخها هاشم بن عبدالرحمن آل عدنان ومساندة أهل القرية، صورة مشرقة للتعاون في إحياء المكان.
وسوق رغدان، في النهاية، ليس مجرد سوقٍ كان هنا ثم مضى، بل أثرٌ بقي وذاكرةٌ لم تنطفئ وصفحةٌ من تاريخ الباحة ما زالت تنتظر أن تُقرأ بما يليق بها، وأن تجد كل العناية والاهتمام من جميع جهات الاختصاص.

‏ alnasser1956@hotmail.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *