مقالات الكتاب

النصر يعيد مسلسل تراكم الديون

أعادت الأنباء المتداولة حول ارتفاع ديون نادي النصر إلى أكثر من (800) مليون ريال تسليط الضوء على قضية الاستدامة المالية في الأندية الرياضية، وهي قضية لا تخص نادياً بعينه، بل تمثل تحدياً لجميع الأندية الساعية إلى المنافسة محلياً وقارياً في ظل التحول الرياضي الكبير الذي تشهده المملكة.
لا شك أن الدوري السعودي حقق خلال السنوات الأخيرة قفزة نوعية باستقطاب نخبة من نجوم العالم، ما أسهم في رفع قيمته التسويقية وزيادة الاهتمام الجماهيري والإعلامي به. إلا أن هذه الطفرة تحتاج إلى إدارة مالية متوازنة تضمن استمرارها، فنجاح أي مشروع رياضي لا يقاس بالنتائج داخل الملعب فقط، وإنما بقدرته على تحقيق الاستدامة خارج المستطيل الأخضر،
الإنفاق على التعاقدات ليس خطأً بحد ذاته، بل هو جزء من صناعة كرة القدم الحديثة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتجاوز المصروفات قدرة النادي على توليد الإيرادات. فالأندية العالمية الكبرى تعتمد على مصادر دخل متنوعة تشمل الرعايات، وحقوق البث، والمنتجات الرسمية، والاستثمار في العلامة التجارية، إضافة إلى تحقيق عوائد من بيع اللاعبين، وهو ما يجعل الإنفاق جزءاً من دورة اقتصادية متكاملة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الحوكمة والرقابة المالية، فوجود معايير واضحة للإنفاق ومتابعة الالتزامات المالية يسهم في حماية الأندية من تراكم الديون، ويعزز قدرتها على الاستمرار في المنافسة دون التعرض لأزمات، قد تؤثر على استقرارها،
ولعل أبرز ما تحتاجه الأندية اليوم هو تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على مورد واحد، فالقواعد الجماهيرية الكبيرة تمثل فرصة اقتصادية يمكن استثمارها عبر العضويات، والمتاجر الرسمية، والفعاليات، والمنصات الرقمية، إلى جانب تطوير الأكاديميات، التي تسهم في صناعة المواهب، وتحقيق عوائد مستقبلية من انتقالات اللاعبين،
كما ينبغي أن تخضع التعاقدات لدراسات فنية ومالية دقيقة، بحيث لا يكون الاسم الكبير وحده مبرراً لإتمام الصفقة، بل يتم تقييم العائد الفني والتسويقي، ومدى حاجة الفريق للاعب، وإمكانات الاستفادة منه مستقبلاً. فالتخطيط طويل المدى يظل أكثر جدوى من القرارات التي تُبنى على ردود الأفعال أو الضغوط الجماهيرية.
إن ما يمر به النصر اليوم أعاد بالذاكرة لمسلسل ديونه التي تم سدادها مطلع 2018، مع نظيره الاتحاد، ويجب أن يُنظر إليه بوصفه تجربة يمكن الاستفادة منها لتطوير منظومة العمل في الأندية السعودية، لا باعتباره أزمة تخص نادياً واحداً. فالمرحلة المقبلة تتطلب موازنة دقيقة بين الطموح الرياضي والانضباط المالي، بما يضمن استمرار المنافسة وتحقيق الأهداف دون تحميل الأندية أعباء قد تؤثر على مستقبلها.
وفي النهاية، تبقى البطولات إنجازاً يُحتفى به، لكن الاستقرار المالي هو الإنجاز الذي يحفظ للأندية مكانتها وقدرتها على المنافسة لسنوات طويلة. فالأندية الكبرى لا تُبنى بالإنفاق وحده، بل بالإدارة الرشيدة التي تجعل النجاح الرياضي والمالي يسيران جنباً إلى جنب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *