في كل مرة يُعلن فيها عن أمين جديد لمدينة جدة، لا يتابع الناس خبراً إدارياً عابراً، بل يتابعون ولادة أمل جديد. فهذه المدينة التي عاشت عقوداً، وهي تكبر سكاناً واقتصاداً وتأثيراً، ما زالت تبحث عن الصورة التي تليق بها؛ مدينة نظيفة. منظمة. متناسقة. تنبض بالجمال الحقيقي نهاراً وليلاً. لا جمالاً مصنوعاً بألوان الإضاءات المبهرة، أو اللوحات الإعلانية العملاقة التي قد تخطف العين لحظة، لكنها لا تخفي تعب الشوارع ولا إرهاق التفاصيل. اليوم.. ومع قدوم أمين جديد، تبدو تطلعات أهالي جدة أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى. لم يعد الناس ينتظرون الوعود الكبيرة، أو العبارات الإدارية المنمقة، بل ينتظرون شيئاً أبسط وأعمق؛ أن يشعروا بأن مدينتهم تُدار بعين المواطن قبل عين التقرير والمسؤول، وبصوت الشارع قبل صوت الاجتماعات. يريدون شوارع عالية الجودة لا تعود للحفر بعد أشهر، وأرصفة صالحة للمشي، وتشجيراً حقيقياً يخفف حرارة المدينة، ويمنحها روحاً، وإضاءة ذكية تمنح الأمان والجمال دون تشوه بصري، ونظام نظافة يجعل المدينة تبدو محترمة في كل حي لا في الواجهات الرئيسة فقط. لكن السؤال الذي يفرض نفسه دائماً؛ لماذا لم يتمكن كثير من الأمناء السابقين من صناعة التحول الذي كانت تنتظره جدة؛ رغم ما امتلكه كثير منهم من علم وخبرة وسير أكاديمية مبهرة ؟ المفارقة أن كثيراً منهم درسوا في أرقى جامعات العالم، وعاشوا في مدن تعد نماذج عالمية في التخطيط والجمال الحضري. وعندما تستمع إلى أحاديثهم تشعر أنك أمام رؤى قادرة على صنع مدينة استثنائية، لكن عند التطبيق كانت البوصلة تتوه وسط مشاريع متفرقة، وأولويات متبدلة وحلول تجميلية سريعة لا تصنع فرقاً دائماً. وكأن المدينة كانت تُدار أحياناً بمنطق “إبهار الصورة أكثر من”إصلاح الجوهر”؛ فالمدن العظيمة لا تُقاس بعدد المجسمات أو المؤتمرات أو المهرجانات او الحملات الإعلامية، بل بما يشعر به الإنسان حين يغادر منزله كل صباح. هل الطريق آمن؟ هل البيئة نظيفة؟ هل المشهد العام مريح للعين؟ هل يشعر السكان بالفخر حين يستقبلون ضيوفهم؟ هنا تبدأ المهمة الحقيقية للأمين الجديد. أن يبدأ من الناس، من الأحياء، من التفاصيل الصغيرة التي تصنع الحياة الكبيرة. أن يعرف أن أولويات السكان ليست معقدة بل واضحة وصادقة؛ نظافة وجودة وعدالة وجمال واستمرارية. جدة لا ينقصها المال ولا الموقع ولا التاريخ ولا الطموح. ما تحتاجه اليوم هو قيادة تمتلك الشجاعة لتضع الأولويات الصحيحة، والانضباط لتحول الرؤية إلى واقع، والإيمان بأن حب المدن لا يُقاس بما يُقال عنه بل بما يراه الناس كل يوم، وهم يعيشون فيها.
جدة والرهان الجديد
