تظل بعض المواقف العابرة نقاط تحول حاسمة في تشكيل وعي الإنسان وتوجيه مساره، وقد تبدو في لحظتها تفاصيل بسيطة، لكنها مع الزمن تكشف عن أثر أعمق بكثير مما يبدو على السطح.
ومن بين تلك المواقف التي ما زالت حاضرة في الذاكرة، أستعيد تجربة تربوية عايشتها خلال عملي في الأكاديمية السعودية بموسكو، كان بطلها طالب روسي من أسرة ذات مكانة اجتماعية، التحق بالأكاديمية عن قناعة شخصية، طامحًا إلى تجربة تعليمية ثرية، تجمع بين التميز الأكاديمي والتنوع الثقافي.
كان الطالب يقيم في قلب موسكو، حيث تتعدد البدائل التعليمية وتقترب المدارس من أماكن السكن، إلا أن اختياره للأكاديمية كان نابعًا من رغبة واعية في خوض تجربة مختلفة. ومنذ الأيام الأولى، بدا التزامه واضحًا؛ إذ كان يبدأ يومه في وقت مبكر، متنقلاً عبر شبكة المترو المعقدة التي تعتمد عليها المدينة في حركة سكانها اليومية. وكان يقطع رحلة طويلة تمر بعدة محطات وتبديلات، وسط ازدحام مستمر وضغط يومي، لكنها تحولت مع الوقت إلى جزء ثابت من روتينه، يؤديها بانضباط وهدوء لافتين دون شكوى أو تذمر.
وفي أحد الأيام، وصل الطالب متأخرًا بضع دقائق عن بداية الحصة الأولى، فتم منعه من دخول الصف من قِبل معلم جديد، لم يكن يعرف ظروفه أو طبيعة رحلته اليومية، التي كان يقطعها للوصول إلى الأكاديمية.
وقد بدا على الطالب التأثر الشديد بما حدث، خصوصًا أنه كان قد بذل جهدًا كبيرًا في رحلته الطويلة ذلك الصباح؛ لذلك تدخّل المرشد الطلابي لمحاولة احتواء الموقف، وطلب مني المساعدة بحكم علاقتي بالمعلم الجديد، فتم عقد لقاء بسيط مع الطالب للاستماع إليه، وفهم ما يمر به بشكل أوضح. وخلال الحديث، تبيّنت لنا صورة كاملة عن ظروفه اليومية، وما يواجهه من مشقة متكررة في طريقه إلى الأكاديمية، والتي لم تكن معروفة للمعلم في تلك اللحظة.
وقد ترك هذا الموقف أثرًا واضحًا في نفس الطالب، حتى إنه فكّر في البداية بجدية في الانسحاب من الأكاديمية؛ بسبب ما شعر به من إحباط. غير أنه بعد توضيح الملابسات واحتواء الموقف وطمأنته، بدأ يستعيد توازنه تدريجيًا، فعاد إلى انتظامه الدراسي واستقراره النفسي، وواصل طريقه بثبات حتى تخرّج بتفوق. ثم أكمل دراسته الجامعية، وأصبح اليوم يكتب من حين لآخر في بعض وسائل الإعلام الروسية المعروفة.
ولا يزال هذا الإعلامي يحرص فيما يكتبه أو ينشره على التعبير عن تقديره لتجربته ودراسته في مؤسسة تعليمية سعودية، ويستحضر أثرها في فهمه لثقافة المملكة وقيمها، وأن هذه التجربة منحته رؤية موضوعية جعلته يتناول شؤون المملكة بقلمٍ متزنٍ ومنصف ومدركٍ لحقائق الأمور.
وتوضح هذه القصة أهمية البيئة التعليمية المتكاملة، ودور التوجيه والإرشاد داخل المدارس في فهم الطلاب ومراعاة ظروفهم. فقد كدنا أن نخسر هذا الصوت الإعلامي؛ بسبب إجراءٍ تطبيقي من معلم جديد التزم بالنظام دون أن يكون على دراية بخلفية الموقف وملابساته، غير أن التدخل التربوي الواعي في الوقت المناسب ساعد على احتواء الموقف وإعادة تصويبه. واليوم أصبح هذا الطالب صوتًا إعلاميًا يكتب عن المملكة بتقدير وإنصاف، بعد أن تعرّف عليها عن قرب خلال سنوات دراسته.
صوت كاد أن يغيب
