مقالات الكتاب

الهيبة والاحتشام

ليس على وجه الأرض بقعةٌ أطهر، ولا مكانٌ أعظم هيبةً وإجلالًا من بيت الله الحرام، فهو قبلة المسلمين، ومهوى أفئدتهم، ومهوى الأرواح الباحثة عن السكينة والطمأنينة. وما من مسلم يقف في رحابه إلا ويشعر أن الدنيا قد انزاحت عن قلبه، وأنه أقرب ما يكون إلى ربه.
ومن نعم الله علينا- نحن أبناء هذا الوطن المبارك- أن يسّر لنا الوصول إلى المسجد الحرام متى اشتقنا إليه، ولا سيما سكان منطقة مكة المكرمة وما جاورها، الذين لا تفصلهم عن بيت الله سوى رحلة قصيرة. إنها نعمة تستحق أن نقابلها بالشكر، وأن نزداد بها تعلقًا بهذا المكان العظيم.
ولا يفوتني أن أتقدم بالشكر والعرفان لقيادتنا الرشيدة، ولجميع العاملين في خدمة الحرمين الشريفين، على ما يبذلونه من جهود عظيمة في التنظيم والرعاية والأمن والخدمات، حتى أصبح الزائر يرى عملًا مؤسسيًا يبعث على الفخر والاعتزاز.
وقد أكرمني الله قبل أيام بأداء العمرة، وعشت- كغيري من المسلمين- لحظات إيمانية لا تُقدّر بثمن. غير أن مشهدًا واحدًا استوقفني أثناء الطواف، وأثار في نفسي تساؤلًا مهمًا.
فقد رأيت امرأة من دولة عربية ترتدي بنطالًا وبلوزة ملونة، في مظهر لا يتناسب -في نظري- مع قدسية المسجد الحرام وهيبته، بينما كانت آلاف النساء من حولها يلتزمن باللباس المحتشم الذي ينسجم مع حرمة المكان. ولم يكن الأمر مجرد اختلاف في الذوق، بل بدا خروجًا عن الصورة، التي تعارف عليها المسلمون في أطهر بقاع الأرض.
إن للمسجد الحرام خصوصيته التي تميزه عن سائر الأماكن، وتعظيمه لا يكون بأداء المناسك وحدها، بل يشمل أيضًا احترام هيبته، والالتزام بما يليق بجلاله من سلوك ووقار واحتشام. فالمؤمن حين يقصد بيت الله لا يختار ما يناسب هواه، وإنما يحرص على ما يليق بحرمة المكان الذي يقف فيه بين يدي الله- عز وجل؛ بل هو من تمام تعظيم حرمة المكان.
ومن هنا، فإن من المهم أن تستمر برامج التوعية الموجهة للمعتمرين والزائرين بلغاتهم المختلفة، وأن تتضمن التعريف بآداب المسجد الحرام، ومنها أهمية الاحتشام، حتى يؤدي الجميع عبادتهم على الوجه الأكمل، ويكونوا عونًا للجهات، التي تبذل جهودًا جبارة في خدمة ضيوف الرحمن.
ولست أشك لحظة أن المحافظة على هيبة المسجد الحرام مسؤولية مشتركة، تبدأ من الزائر نفسه، كما أنها محل اهتمام القائمين على خدمة الحرمين الشريفين، الذين نلمس جهودهم المباركة في كل زاوية من زواياه.
نسأل الله أن يرزق المسلمين جميعًا تعظيم شعائره، وأن يزين نساء المسلمين بالحياء والعفاف، وأن يحفظ بلادنا وقيادتها، ويبارك في جهود كل من تشرف بخدمة الحرمين الشريفين.
(اللهم زد بلادنا عزًا ومجدًا، وزدنا بها حبًا وفخرًا، واجعلها دائمًا في خدمة الإسلام والمسلمين).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *