مقالات الكتاب

النية

لم تكن رؤيا السيدة زبيدة من كيسي. وإن أكن قد تخيلت أنها أفاقت من نومها مدهوشة، فليس هذا في سياق القصة بل من كيسي. ووجهت سؤالًا للسيد طاهر بن شهاب، وهو من تلامذة السيد محمد الشاطري، وبينهما قرابة أيضًا؛ فقال: إنه لم يسمع هذ الرؤيا من فم السيد الشاطري، أن زبيدة رأت في المنام أن أهل الموقف يجامعونها. لكنه سمع السيد الشاطري- رحمه الله- يقول: إن أحدهم رأى السيدة زبيدة في المنام، فسألها كيف أثابها الله عن عملها في مد المياه للحجاج؛ فقالت: لقد حصلت على ثواب المبادرة في إنجاز المشروع، أما النفقة فثوابها للمسلمين جميعًا؛ لأنها من مال الدولة. وكذلك تجاوب معي أحد شيوخي، ولعله لا يرغب في ذكر اسمه. قال عن زبيدة: لها أجر النية، أما ما صرف من بيت المال، فثوابه للمسلمين كلٌ بقدر استحقاقه منه.
وقال لي صديق عزيز: إن ابن سيرين الذي قيل إنه عبّر رؤيا زبيدة بأنها تعمل عملًا ينفع حجاج بيت الله الحرام مات عام 110 هـ، وكان ميلاد زبيدة عام 149هـ، وأضاف أن ابن سيرين كان بصريًّا وليس كوفيًّا.
ولقد صدق المثل المصري “الحلو ما يكملشي” لأن زبيدة- رحمها الله- رغم الجهود الهندسية الجبارة، التي هزّت التاريخ والجغرافيا والسيرة، كما ذكرنا في المقال الماضي لم يتمكن العمال من اختراق جبل كان يعترض وصول عين نعمان إلى مكة. وبعد700 سنة، علمت فاطمة هانم كريمة السلطان العثماني بالعقبة، التي عرقلت وصول ماء عين نعمان إلى مكة المكرمة، فاستأذنت والدها أن تكمل ما لم يتمكن عمال السيدة زبيدة، فأذن لها، فقامت بتكليف رجال الدولة العثمانية بشق الجبل، وهو ما تم إنجازه، ولكن في بضع سنوات من العمل العظيم والجهود الجبارة حتى وصلت مياه عين نعمان إلى مكة المكرمة في عام 974 هجرية. ومن أراد المزيد من التفاصيل فليراجع كتاب “التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم” للمؤرخ محمد بن طاهر الكردي، الذي تولت طباعته مكتبة النهضة الحديثة بمكة المكرمة.
ولم يفصّل المؤرخون ماذا كان دور فاطمة هانم في مشروع عين نعمان، ولا أنها حجّت لكي ترى بعينها كما رأت زبيدة، لكن فاطمة هانم دخلت التاريخ، وربما دخلت أيضًا الجغرافيا والسيرة؛ بسبب النية والعزيمة الأكيدة في منفعة عباد الله.
إن النية في الإسلام شيء عظيم جدًا، ولم يجد الإمام البخاري أفضل من حديث النية؛ لكي يفتتح به الجامع الصحيح، وهو عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول:” إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *