أفاقت زبيدة من نومها مدهوشة، وفركت عينيها ثم قالت: ليت جدي عبد الله بن العباس، أو جدي الأقرب أبو جعفر المنصور حيًا لأخبره بالرؤيا المزعجة العجيبة، التي رأيتها للتو. ثم استدعت عاملًا أمينًا من عمالها، وأمرته أن يسافر إلى الكوفة على بعد 150 كيلومترًا من بغداد، ويلتقي بابن سيرين ويسأله تعبير الرؤيا التي رأتها في منامها.
وصل الفتى إلى المسجد الذي يصلي فيه ابن سيرين، فقيل له: إن ابن سيرين قد مات. ولما عاد الرسول بالخبر، وجدتها فرصة لكي تتوجه إلى مكة المكرمة فتحج إلى البيت الحرام، وبعد قضاء النسك تسأل أحد العلماء هناك لكي يعبر لها رؤياها.
وفي مكة وجدت زبيدة الحجاج في حالة من الضنك؛ بسبب شح المياه. ولا نطيل عليكم فلقد دونت في مفكرة لي ما سمعته من أحد شيوخي، وهو العلامة السيد محمد بن أحمد الشاطري، أن زبيدة رأت في منامها أن أهل الموقف يجامعونها. وقد استفتت عالمًا في تعبير الرؤيا، فقال لها ستعملين عملًا ينتفع به كافة الحجاج.
وكان المشروع الذي أنجزته بمالها وجاهها كزوجة لأمير المؤمنين هارون الرشيد هو عين زبيدة. قال محمد رجب البيومي في كتابه “طرائف ومسامرات”: دعت زبيدة خازن أموالها، وأمرته أن يدعو العُرفاء والمهندسين والعمال من أطراف الأرض، ويحفروا نهرًا من عين حنين في جبال أوطاس شمال عرفة بمسافة 35 كيلومترًا إلى مكة المكرمة، ثم يظاهروا المشروع بمجرى آخر من وادي (نَعمان) على بعد 10 كيلومترات منها. فاستعظم خازن الأموال ذلك، وما سيستنفد فيه من المال. فقالت له تلك الكلمة الخالدة: اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس بدينار.
وهكذا سار المشروع في ممر عظيم حتى إذا وصل إلى مِنى انحدر في خزان عميق نقروه لذلك في الجبل، وسموه بئر زبيدة.
وقال المؤرخ محمد طاهر الكردي في كتابه (التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم): نقبت زبيدة الجبال إلى أن سلك الماء من أرض الحل إلى أرض الحرم. وقال: إن زبيدة أيضًا عملت في طريق الحج من بغداد إلى مكة الكثير من الآبار والبرك لسقيا الحجاج، فتوهم كثير من الناس أن عين زبيدة متصلة في مجاري تحت الأرض بنهر الفرات عند مدينة بغداد.
وقال: إن زبيدة أنفقت على هذا المشروع ألف ألف وسبعمائة ألف مثقال من الذهب. ولما جاؤوها بدفاتر المنصرفات أخذتها وكانت في قصر عال، فرمتها في نهر دجلة، وقالت: تركنا الحساب ليوم الحساب، ومن بقي له شيء أعطيناه، ومن زاد عنده شيء فهو له. ولذلك قال المؤرخ المصري حسين مؤنس في كتابه (تاريخ قريش): إن ما فعلته زبيدة كان من باب التقى، لا من باب السياسة.
لقد اهتزت لمشروع زبيدة الهندسة والتاريخ والجغرافيا والسيرة.
زبيدة
