في عالم كرة القدم المعاصر، باتت كلمة “مشروع” تُلقى بسخاء مُخيف؛ تمامًا كما يُلقى بكلمة “السردية” في النقاشات الأدبية والاجتماعية؛ كأنها تعويذة سحرية تكفي لتحويل الفوضى إلى منظومة، والارتجال إلى رؤية.
أصبحت كلمة “المشروع” تُطلقها الاتحادات في مؤتمراتها الصحفية، وترفعها الأندية في خططها الإستراتيجية، ويتداولها الإعلام كما لو أن مجرد النطق بها يُغني عن بناء أساساتها، غير أن الجماهير والتاريخ لا يحبون الشعارات، ولا يقتنعون إلا بما تُرسّخه البطولات .
المشروع الحقيقي في كرة القدم لا يُقاس بحجم الإنفاق، ولا بعدد النجوم الذين يُستقدمون لإضاءة المدرجات مؤقتاً، ولكنه منظومة متكاملة تبدأ من الجذور، وأساسه الأول أكاديميات نشأت لتُنتج لاعباً مُشبعاً بثقافة اللعبة، لا مجرد متعلّم لتقنياتها، وأساسه الثاني فلسفة لعب واضحة تُورَّث من الناشئين إلى المنتخب الأول، فلا يجد الجيل الصاعد نفسه أمام مدرب جديد، يُعيد تعليمه الأبجديات، وأما الركيزة الثالثة، فهي الصبر المؤسسي؛ الذي يحمي المشروع من رياح الهزائم الفردية ونزوات الرأي العام.
أبرز الأخطاء المتكررة في هذه المشاريع، أنها تتعامل مع كرة القدم؛ باعتبارها حدثاً لا حالةً والفرق جوهري؛ حيث إن الحدث له تاريخ بداية وتاريخ نهاية، يُستقطب له النجوم وتُرصد له الميزانيات، ثم يتبخر أثره حين تنطفئ الأضواء. أما الحالة فهي ما يتشكّل تدريجياً حين تصبح اللعبة جزءاً من النسيج الاجتماعي؛ حين يختار الطفل الملعب قبل أن يفكر في الشهرة، وحين تكون الأندية الشعبية والمدارس الرياضية امتداداً طبيعياً للحياة اليومية، لا استثناءً منها.
الخطأ الثاني، والذي لا يقل خطورة هو استيراد النماذج الجاهزة دون تمحيص. حين تنجح تجربة ما في ألمانيا أو البرتغال، فإن نجاحها مرتبط ببيئة محددة، وتاريخ متراكم وبنية اجتماعية خاصة يتم نقلها بالكامل إلى سياق مختلف دون تكييف حقيقي، لا يُنتج سوى نسخة شكلية تحمل المصطلحات ذاتها، دون أن تحمل الروح التي أنتجتها، وهذا الأمر ينطبق أيضاً على الأفراد؛ فنجاح فرد ما في مكان معين لا يعني بالضرورة نجاحه لدينا، ولنا في ذلك أمثلة كثيرة؛ آخرها مانشيني.
للمقارنة لن أستحضر النموذج الياباني الذي استهلكناه، ولكني سأستحضر نموذج التجربة الآيسلندية ذات التعداد البشري الصغير نسبياً، ومحدودية التاريخ الكروي الدولي؛ حيث بنت مشروعها على أكاديميات داخلية مُدفّأة لا تتوقف مع الثلج، وعلى مدربين محليين مُؤهَّلين بكثافة، حتى بلغت دور ثمانية يورو 2016 بمعجزة حقيقية مصنوعة من الداخل.
خلاصة القول: إن المشروع ليس إعلاناً يُطلق في حفل فاخر؛ بل هو التزام يُنجز في الملاعب، وأكاديميات الناشئين، وما لم نفهم هذه المعادلة، فستبقى مشاريعنا أرقاماً في ميزانيات، لا أسماء في سجلات التاريخ.
@MohammedAAmri
«المشروع» بين الحدث والحالة
