في أشهر الحج، وقبل أيام من بدء موسم الحج، يتوالى قدوم الحجاج، في أمنٍ وأمانٍ ويُسرٍ وسهولة، وبإمكاناتٍ كبيرةٍ جدًا وفّرتها المملكة العربية السعودية بفخامةٍ مميزةٍ وراقية، وجودةٍ عالية، وتنظيمٍ عظيم، وخططٍ مدروسة سخّرت من خلالها جميع الجهود لخدمة ضيوف الرحمن بكل شرفٍ واعتزازٍ وتقديرٍ وإتقان، وتميّزٍ غير مسبوقٍ عبر التاريخ. وبهذه الإمكانات الكبيرة أصبح الحج ميسّرًا، وصارت رحلة الوصول إليه رحلةً رائعةً ورائدة، ولله الحمد، والشكر والمنة.
ولو قارنا بين الماضي والحاضر لوجدنا فرقًا شاسعًا في رحلة الحج؛ فقد كانت رحلة الحج تحفّها المخاطر والتحديات والمشقة والمسافات الطويلة وغياب الأمن والأمان، لذلك كانت قوافل الحج تسير وكأنها حملة عسكرية، وكان لا بد من الاتفاق مع القبائل العربية، التي تمر بها لتوفير الحماية أثناء مرورها من أماكن وجودها، فترافقها حتى تسلّمها إلى القبيلة الأخرى.
ورغم ذلك، كانت حملات الحج تتعرض للعديد من التحديات والمخاطر والتقلبات الجوية؛ فمثلًا، غرقت سفن كثيرٍ من الحجاج بسبب الرياح، أو أهلكتهم السباع وعصابات الطرق، أو حالت دون وصولهم التقلبات الجوية؛ كالأعاصير والرياح والسيول والفيضانات والعواصف الرملية، فلم يتمكنوا من الوصول في الوقت المحدد لأداء مناسك الحج والعمرة.
ولعل أشهر ما تعرّضت له رحلات الحجاج من إبادةٍ عبر التاريخ، ووثّقه المؤرخون في كتب رحلات الحج، ما قام به (أرناط) عام (578هـ)، عندما قرر قتل الحجاج، وهدم الكعبة المشرفة، ونبش قبر الرسول- صلى الله عليه وسلم. وفعلاً، وأثناء أشهر الحج، وصل إلى (الحوراء)، أشهر موانئ الجزيرة العربية في ذلك الوقت، فوجد سفن الحجاج، فدمّرها وقتل من فيها، ودمّر ميناء الحوراء والمدينة نفسها، وقتل من فيها، وأحرق مؤن الحجاج المخزنة من الحبوب وغيرها.
وبعد ذلك، وجّه عددًا من جنوده المرتزقة الحاقدين إلى المدينة المنورة المحروسة لتنفيذ أهدافهم، لكن قبل وصولهم تمكّن منهم قائد صلاح الدين الأيوبي، (حسام الدين لؤلؤ)، وانتصر عليهم وأسرهم وأبطل جميع مخططاتهم. وفي عام (583هـ) تمكن صلاح الدين الأيوبي من أسر (أرناط)، وذكّره بجرائمه بحق الحجاج، وعاقبه بنفسه لبشاعة ما قام به، رغم توسله.
هذا هو حال الحج في الزمن السابق وخطورته في ذلك الوقت. أما اليوم، وفي الزمن الحاضر، فقد جهزت المملكة العربية السعودية، وسخّرت جميع الإمكانات لخدمة الحجاج منذ أماكن قدومهم من كل فجٍ عميق إلى وصولهم إلى الأماكن المقدسة، لأداء مناسكهم بسهولةٍ وفخامةٍ وأمنٍ وأمانٍ وسلامٍ، ولله الحمد.
وقد كلّفت هذه الجهود والإمكانات مليارات الريالات، وبُذلت فيها جهودٌ كبيرة حتى أصبحت رحلة الحج بهذه الفخامة العظيمة التي تحققت على أرض الواقع رغم كل التحديات والأزمات. كما سُنّت القوانين والأنظمة لحفظ الحجاج وأمنهم، وردع كل من تسوّل له نفسه المساس بأمن الحج، كائنًا من كان.
ولقد أعجبتني مقولة أحد الحجاج: إن السعودية جهزت رحلة الحج، وكأنها رحلة سياحية تفوق في فخامتها مستوى الخمس نجوم، ولا تقارن بها، رغم كثافة المكان وأعداد الحجاج، واختلاف ثقافاتهم وضيق الأيام المعدودات.
وفي الختام، نحن فخورون كسعوديين بما قامت وتقوم به حكومتنا، بقيادة خادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي العهد الأمين ـ حفظهما الله ـ من جهودٍ كبيرة لخدمة الحجاج.
lewefe@
