لطالما غمرني شعور بالنشوة والفخر في كل يوم تحل فيه ذكرى اليوم العالمي للمرأة، شعور ونشوة دائمين ممتدين، كوننا نتفيأ ظلال هذا اليوم ونعيشه كل يوم تحت سماء هذا الوطن الملهم ورؤيته الطموحة، هذا الوطن وتلكما الرؤية التي ما فتئت تدفعنا لنهضة خلاقة يقودها الإصرار والتمكين عبر كافة سياقاته ومجالاته، كون هذا التمكين هو الدعامة التي نرتكز عليها وننطلق منها لفضاءات أرحب وأشمل لتحقيق القوة الاجتماعية والاقتصادية لجميع الفئات، ابتداءً بتمكين المرأة وانتهاءً بذوي الإعاقة، ذلك التمكين الذي يُمنح للجميع دون انتقائية أو تهميش أو اختزال، ولاسيما تمكين المرأة، عبر تأكيد وإلهام امتد منذ عصرنا الإسلامي الأول، والذي حفظت لنا ذاكرته أسمى صور التمكين والمشاركة الفاعلة للمرأة المسلمة في صنع واتخاذ القرار إلى جانب الذكور، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم:( النساء شقائق الرجال) فمن سيدتنا خديجة وأسماء بنت أبي بكر وأم سلمة والشفاء بنت عبدالله (رضي الله عنهن) وشجرة الدّر، والقائمة تطول، وعبر تاريخ سعودي حاضر في الأذهان، ورموز لازالت شاخصة، أمثال موضي بنت سلطان الكثيري (زوجة الإمام محمد بن سعود) والأميرة نورة بنت عبد الرحمن شقيقة الملك عبد العزيز المؤسس، وموضي البسّام، ومزنة المطرودي وغالية البقمي، امتدت لتلهم الحاضر السعودي بالعديد والعديد من الرموز، ومنها تعيين الأميرة صاحبة السمو الملكي ريما بنت بندر بن سلطان كسفيرة للمملكة في الولايات المتحدة منذ عام 2019 ولا زالت، وغيرها الكثير، فحريُ بتلك الرموز أن تُحفظ وتُدّرس وتُكرّس لها المناهج وتفرد لها صفحات الكتب.
ففي ثنايا تلك القصص الملهمة والرموز المؤثرة يكمن مجال من مجالات التمكين، هو الأهم والأعم وهو التمكين النفسي للمرأة، فهو بمثابة القنطرة التي نعبر فوقها للوصول إلى مجالات التمكين الأخرى.
هو تعزيزثقتها بنفسها Psychological empowerment of wome فالتمكين النفسي للمرأة عبر ادراكها لذاتها وإيمانها بقدرتها على إحداث تغيير إيجابي، مما يمنحها الاستقلالية والقدرة على مواجهة تحديات الحياة الشخصية والمهنية، والذي يُشكل الأساس للتمكين (الاقتصادي والاجتماعي).
كون التمكين بشكل عام يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمشاركة والتنمية، فكليهما يُعنى بدفع المرأة في دوائر صنع القرار عن طريق توسيع نطاق الفرص والخيارات والبدائل المتاحة أمامها، وعبر فتح الأبواب الموصدة بسبب بعض عادات وتقاليد، وبقايا صور متهالكة في ذاكرة المخيال الشعبي وتحيز الموروث الاجتماعي والقيمي للذكور، حالت دون انخراطها في ميادين التنمية الشاملة؛ لذا فقد شكل موضوع تمكين المرأة وزيادة مشاركتها الاقتصادية واحدة من أهداف رؤية (2030 ) باعتبار أن هناك ارتباطا وثيقًا بين إسهام المرأة في البناء المجتمعي وتعزيز قدرتها من جانب، وبين النهوض والتطور الاقتصادي والتنموي من جانب آخر، ومن بواعث الفخر تقرير الرؤية للعام المنصرم 2025 والصادر في 24/4/2026، والذي تمخّض عن ارتفاع نسبة النساء اللاتي يشغلن مناصب إدارية متوسطة وعليا ليصل 43%، ومشاركة المرأة في سوق العمل والتي بلغت 35%، ولا يفوتني هنا ابراز جهود لأفرادها قسمًا خاصًا بتمكين المرأة.GOV.SA المنصة الوطنية.
وبرأيي تُعد الكفاءة الذاتية من أهم أبعاد تمكين المرأة النفسي كونها تقود المرأة للاستقلالية، وتمنحها حرية الاختيار واتخاذ القرارات دون ضغوط، فهي تعمل على رفع مستوى الاستحقاق لديها؛ ما يمنحها شعورًا بقدرتها على التأثير وإحداث الفرق في محيطها الاجتماعي والعملي.
ولذا فالوعي بهذا النوع من التمكين يمنح المرأة قدرة أكبر في التعامل مع ضغوط الحياة والعمل ( كالتوازن بين الأسرة والوظيفة) على نحو أكثر مرونة، مما يعزز دورها الريادي عبر تنمية السلوك الاستباقي والقيادي لديها، خاصة في الأجهزة الحكومية والمناصب الإدارية، كما أنه يزيد معدلات الاستقرار الاجتماعي كونه يزيد من شعورها بالاندماج الاجتماعي والقبول النفسي.
وفي نهاية المطاف فان تحقيق هذا التمكين ونشر ثقافته هي مسؤولية مشتركة بين المجتمع والفرد والمؤسسات المعنية وذلك من خلال برامج مستمرة وآليات لرفع وعي المرأة وتحسين مهاراتها وعبر دعم نفسي واجتماعي من ذوي الاختصاص كتقديم الاستشارات النفسية والقانونية، ولعل الأهم هو تصحيح الصورة الذهنية عبر تغيير النظرة النمطية للمرأة من خلال الإعلام والمناهج الدراسية، وتمويل المشاريع النسائية لدعم استقراها النفسي والاجتماعي.
فالتمكين النفسي الذي نريد ليس شعارات رنّانة وعبارات طنّانة، بل ذلك التمكين الذي يمنح المرأة الاستدامة الفاعلة والمؤثرة، ودونه ستصبح الصورة باهتة غير مكتملة.
– جامعة الملك سعود
قسم الإدارة التربوية
