مقالات الكتاب

التعليم وأهمية العلوم الإنسانية

التعليم عملية طويلة ومركبة، لا تُبنى نتائجها بين ليلة وضحاها. وإذا كان إغلاق قسم أو تعديل منهج قد يتم بسرعة، فإن إنشاء قسم جديد من الصفر يحتاج إلى سنوات طويلة، كما أن إعداد الكوادر القادرة على إدارته قد يستغرق عشرات السنين.
ومع ذلك، لا يحظى المعلم في كثير من الأحيان بما يستحقه من اهتمام، رغم أنه الركيزة الأساسية في العملية التعليمية. فلا نولي عناية كافية لإعداده وتأهيله. ونتيجة لذلك، أصبحنا نشهد ممارسات تعليمية تفتقر إلى العمق، حيث يختزل بعض المعلمين المقررات في سطور قليلة، بل وقد يحددون للطلاب بضع صفحات من الكتاب. ومن الطبيعي أن يلقى هذا الأسلوب استحسان بعض الطلاب، لكنه في المقابل يضعف جودة المخرجات التعليمية.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يمتد إلى اختصار المناهج وتقليص المحتوى العلمي عبر السنوات. وأذكر أن أخي الأكبر كان يدرس، إلى جانب كتب اللغة العربية، مؤلفات لكبار الأدباء مثل “العبقريات” لمحمود عباس العقاد. كما كان يطّلع في اللغة الإنجليزية على عدد من الروايات لكبار الكتّاب، إلى جانب القواعد اللغوية. بل وكان يدرس اللغة الفرنسية كلغة أجنبية ثانية.
لكن ذلك تغيّر لاحقًا بدعوى التخفيف عن الطلاب. وذهب البعض إلى أبعد من ذلك، داعين إلى تقليص أو حتى إغلاق أقسام العلوم الإنسانية، والاكتفاء بالعلوم والتقنية، خاصة مع تسارع تطور الذكاء الاصطناعي، وانتشاره في مختلف المجالات.
غير أن هذا الطرح يغفل حقيقة جوهرية، وهي أن تاريخ الأمم وثقافتها ولغتها، تمثل الأعمدة التي تحفظ هويتها وتفردها. فكيف إذا كانت هذه اللغة هي لغة القرآن الكريم؟
ولا خلاف على أن التعليم بحاجة إلى تطوير مستمر، وأن لكل مرحلة تعليمية متطلباتها الخاصة، بما يسهم في إعداد أجيال قادرة على تحمل المسؤولية والمساهمة في نهضة الوطن وتقدمه.
كما ان الواقع يكشف عن فجوة واضحة، فهناك من حظي بتعليم متميز، في حين يخرج آخرون من المسار التعليمي بضعف ملحوظ، رغم مرورهم بجميع مراحله.
وفي الوقت الذي تهتم فيه أوروبا وأمريكا بمقارنة مستوى الطلاب في دولهم مع نظرائهم في دول مثل الصين واليابان، لتحسين جودة التعليم لمواكبة هذه النماذج، يبرز تساؤل مهم:
هل تُجرى لدينا مثل هذه المقارنات بشكل منهجي؟

SalehElshehry@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *