د. أحمد حسن الخضير
في رحلتنا عبر دروب الحياة، اعتدنا أن نُعرِّف أنفسنا بقوائم طويلة من الطموحات، والنجاحات، وما نحمله في قلوبنا من حب وشغف. ولكن، في لحظات السكون وتأمل الذات، يبرز تساؤل فلسفي يغوص في أعماق النفس البشرية: هل نحن حقاً مجموع ما نحبه فقط؟ أم أن هناك وجهاً آخر لهويتنا يُصاغ بعيداً عن الأضواء، في غرف “الرفض” والمقاومة؟
إنني أميل إلى الاعتقاد بأننا نتشكل -إلى حد بعيد- من تلك الأشياء التي نرفضها ونقاوم دخولها إلى عالمنا. الرفض هنا ليس مجرد انفعال لحظي أو كلمة “لا” عابرة، بل هو موقف فكري، وفعل اختيارٍ واعٍ يرسم حدوداً واضحة للكيان الإنساني.
من خلال مسيرتي الطويلة في ردهات الطب، حيث وقفت شاهدًا على النفس البشرية في أكثر لحظاتها انكشافاً، تعلمت أن الرفض هو أداةٌ للحماية؛ حماية للجوهر من الذوبان في سيولة العالم. الطبيب لا يرفض المرض لمجرد الكراهية، بل يرفضه لأنه يدافع عن مفهوم “الحياة” في أبهى صورها. وفي هذا الصراع المستمر ضد الألم، وضد الفناء، وضد اليأس، يتشكل وعي الطبيب وتصقل شخصيته. إننا حين نرفض ما يتنافى مع قيمنا، نحن في الواقع نرسم “الخريطة الطبوغرافية” لأرواحنا، ونحدد معالم البيت الذي نسكن فيه ذواتنا.
كمؤلف، أجد أن الشخصيات الأكثر عمقاً في نصوصي ليست تلك التي تتقبل كل شيء ببرود، بل تلك التي تملك قائمة من “المرفوضات” التي تدافع عنها بشراسة. إن الأشياء التي نرفضها تضعنا أمام مرآة أنفسنا؛ فهي تجبرنا على التفكير، على الحجاج، وعلى إيجاد بدائل تعكس جوهرنا الخاص. إن عملية الرفض عملية “تكوينية” بامتياز؛ فهي تحول الطاقة السلبية للمقاومة إلى طاقة إبداعية بناءة. الشخص الذي يرفض الظلم يسعى للعدل، ومن يرفض العشوائية يبتكر النظام، ومن يرفض السطحية يغوص في أعماق المعرفة.
إننا نصقل سيوفنا بصلابة ما نقاومه. ولو نظرنا إلى مساراتنا الشخصية، لوجدنا أن أكثر لحظاتنا نمواً كانت تلك التي قلنا فيها “لا” لواقعٍ لم يعد يشبهنا، أو لقناعةٍ لم تعد تمثل حقيقتنا. في كل مرة نقول فيها “لا” لما هو مبتذل أو هابط، نحن نعلن عن ولادة جديدة للوعي داخلنا.
ومع ذلك، لا بد أن نعترف بأن للرفض ضريبة؛ فأن تقول “لا” لتيارات عامة أو لأفكار سائدة، يعني أنك تخاطر بأن توصف بالمتمرد أو الغريب. في تجربتي الأدبية، غالباً ما أجد أن الشخصيات التي تجرؤ على الرفض هي الأكثر عُزلة، لكنها في الوقت ذاته هي الأكثر قدرة على الإبصار. إن مجتمعنا يميل أحياناً إلى معاقبة من يرفض الامتثال، لكن التاريخ يخبرنا أن التطور الإنساني لم يصنعه الممتثلون، بل أولئك الذين امتلكوا الشجاعة لرفض “الواقع القائم” بحثاً عن “حقيقة أسمى”.
إن هذا الرفض لا يعزلنا عن الإنسانية، بل يضعنا في مواجهة مباشرة مع قيمنا؛ فمن لا يملك القدرة على الرفض، لا يملك فعلياً القدرة على الاختيار. وبينما قد يبدو الرفض في نظر البعض قسوة أو انغلاقاً، فإنه في ميزان الحكمة هو أرقى أشكال الاستقلال الذاتي. إنك حين ترفض ما يرفضه عقلك وقلبك، أنت لا تبتعد عن الناس، بل تقترب من نفسك أكثر، وتضع لبنة أخرى في صرح شخصيتك المتفردة.
في هذا العالم المليء بالضجيج والخيارات المفتوحة، قد يجعلنا نضيع في متاهة “القبول العام”. لذا، يصبح الرفض الواعي هو البوصلة التي تعيدنا إلى مركزنا. إنه ليس انغلاقاً، بل هو فعلُ تمييزٍ وتفرد. الشخصية الإنسانية في نهاية المطاف هي نتاج حوارٍ دائم ومحتدم بين ما نقبله لننمو، وما نرفضه لنبقى على جوهرنا الذي لا نحيد عنه.
لا تبتئس مما ترفضه في هذا العالم؛ فموقفك هذا هو الذي يمنحك التوازن. نحن لسنا مجرد عابرين نتقبل ما يُلقى إلينا، بل نحن بناةٌ لذواتنا، نحتاتُ ملامحنا بصلابة مواقفنا. وفي النهاية، قد لا نكون فقط مجموع ما نحبه ونجمعه في ذاكرتنا، بل نحن أيضاً مجموع ما رفضناه بصدق ووعي، لنغدو في النهاية ما نحن عليه حقاً.
