عبدالله الينبعاوي
لم يعد السؤال اليوم عن جودة المحتوى بقدر ما أصبح عن طبيعة بعض الممارسات في المشهد الإعلامي، فما نشهده ليس بالضرورة تراجعًا مهنيًا شاملًا، لكنه يطرح تساؤلات حول نماذج جديدة ظهرت في بعض المنصات التي تقدم نفسها كصحف إلكترونية، بينما تعتمد في جوهرها على أساليب لا تعكس دائمًا المعايير الإعلامية التقليدية.
بعض هذه المنصات لا تُبنى دائمًا على التحرير المهني المتكامل أو غرف الأخبار بالمعنى المؤسسي الكامل، ولا على رؤية إعلامية واضحة في جميع الحالات، بل يظهر فيها نموذج مختلف يقوم على اشتراكات أو رسوم مرتبطة بالخدمات أو العضويات، وهو ما يفتح نقاشًا حول مفهوم الانتماء للمهنة: هل هو قائم على الكفاءة والخبرة فقط، أم أن هناك نماذج تنظيمية وتجارية جديدة بدأت بالظهور داخل القطاع؟
في الماضي القريب، كانت المؤسسات الصحفية تعتمد بشكل أساسي على قيمة الجهد المهني، فالصحفي يُكافأ على سبق، ويُقدّر على تحقيق، ويُحتفى به عند التميز. وكانت الرواتب والحوافز جزءًا من ثقافة المهنة، تعكس احترامها لمنتسبيها. أما اليوم، فقد تنوّعت النماذج بشكل أكبر، وأصبحت بعض المنصات تقدم أشكالًا مختلفة من العمل الإعلامي، ما بين التقليدي والجديد، وهو ما يخلق حالة من التباين في شكل الممارسة الإعلامية.
المفارقة التي يلاحظها البعض أن دخول مجالات الإعلام لم يعد حكرًا على المسارات التقليدية فقط، إذ يشارك فيه أفراد من خلفيات وظيفية متنوعة بعد التقاعد أو الانتقال من أعمال أخرى، ما أوجد منصات متعددة تتفاوت في مستوى الالتزام بالمعايير المهنية. وفي هذا السياق، تظهر مسميات وظيفية إعلامية مختلفة، بعضها يرتبط بمحتوى فعلي، وبعضها الآخر يُستخدم في إطار إداري أو تشغيلي داخل هذه المنصات.
هذا الواقع لا يمس فقط صورة الصحافة، بل يؤثر أيضًا على ثقة الجمهور في ما يُنشر من محتوى. فعندما تتعدد مصادر النشر وتختلف مستويات المهنية، يصبح من المهم تعزيز الوعي الإعلامي لدى المتلقي، والتمييز بين المحتوى المهني والمحتوى غير الموثق، وهو ما يضع مسؤولية إضافية على القطاع في تنظيم نفسه وتطوير أدواته.
ونثق تمام الثقة لوزارة الإعلام دور كبير في معالجة هذه السلبيات إلى جانب الدور الرقابي لهيئة تنظيم الإعلام لإنهاء هذه الممارسات وتحقيق المزيد من الضبط وتحديث الأنظمة، بما يضمن وضوح المعايير المهنية، ويحد من أي ممارسات قد تؤثر على صورة القطاع الإعلامي أو تضعف ثقة الجمهور فيه.
إن حماية الصحافة ليست مسؤولية الصحفيين وحدهم، بل مسؤولية منظومة كاملة، فضبط التراخيص، ومراقبة الأداء، وفرض المعايير المهنية، ومتابعة الالتزام بالأنظمة… كلها أدوات يمكن أن تسهم في تطوير المشهد الإعلامي وتعزيز توازنه، بما يواكب التحولات المتسارعة في هذا القطاع.
في النهاية، الإعلام ليس مجرد لقب يُكتسب بسهولة، ولا منصة تُدار دون ضوابط، بل هو مسؤولية مهنية وأخلاقية في المقام الأول. ومن المهم أن يبقى معيار المصداقية والالتزام المهني هو الأساس في أي ممارسة إعلامية، مهما اختلفت أشكالها أو تطورت أدواتها.
