الرياضة

حين تُباع الصحافة: من المهنة إلى “اشتراك شهري”

عبدالله الينبعاوي

لم يعد السؤال اليوم يقتصر على جودة المحتوى بقدر ما بات يتعلق بطبيعة الممارسة الإعلامية نفسها. فما يشهده المشهد الإعلامي لا يمكن اعتباره مجرد تراجع مهني عابر، بل هو حالة من التداخل غير المنضبط، حيث ظهرت كيانات تستخدم “الصحف الإلكترونية” كإطار شكلي، بينما تمارس أنشطة لا ترتبط بشكل مباشر بالمهنة الصحفية.

بعض هذه المنصات لا تقوم على أسس التحرير المهني، ولا تمتلك غرف أخبار بالمعنى الحقيقي، ولا حتى رؤية إعلامية واضحة، بل تعتمد على نموذج غير تقليدي يقوم على الاشتراكات والعضويات والرسوم مقابل بطاقات أو مسميات إعلامية. وكأن الانتماء إلى المجال الصحفي أصبح مرتبطًا بدفع مقابل مالي أكثر من كونه مبنيًا على الكفاءة والخبرة. وفي هذا السياق، يتغير شكل العلاقة المهنية، حيث لم يعد الصحفي يتقاضى أجرًا مقابل عمله بالضرورة، بل قد يتحمل تكاليف مالية للمشاركة داخل كيانات يُفترض أنها مهنية.

في الماضي القريب، كانت المؤسسات الصحفية تحترم قيمة الجهد، فالصحفي يُكافأ على سبق، ويُقدّر على تحقيق، ويُحتفى به عند التميز. وكانت الرواتب والحوافز جزءًا من ثقافة المهنة، تعكس احترامها لمنتسبيها. أما اليوم، فقد انحدرت بعض هذه الكيانات إلى مستوى آخر؛ تُفرغ المهنة من معناها، وتحوّلها إلى واجهة للوجاهة الاجتماعية، يتصدرها أشخاص لا يملكون الحد الأدنى من التأهيل الإعلامي.

المفارقة الصادمة أن كثيرًا ممن يقفون خلف هذه “الصحف” ليسوا إعلاميين أصلًا، بل أفراد قدموا من مسارات وظيفية بعيدة، وبعد التقاعد أو الخروج من وظائفهم المدنية، قرروا اقتحام المجال الإعلامي دون أدواته، فأنشأوا منصات قائمة على النسخ واللصق، ووزّعوا الألقاب كما تُوزّع بطاقات الدعوات. “رئيس تحرير”، “مدير تحرير”، “إعلامي”… مسميات كبيرة، بمضامين فارغة.

هذا الواقع لا يسيء فقط إلى صورة الصحافة، بل يضرب ثقة الجمهور في كل ما يُنشر، فحين تختلط المهنية بالادّعاء، ويصبح الوصول للمنصة مرتبطًا بالدفع لا بالكفاءة، فإننا أمام خطر حقيقي يهدد مستقبل الإعلام، ويشوّه أجيالًا جديدة قد تعتقد أن الطريق إلى هذه المهنة يبدأ بمحفظة مالية، لا بعقل مهني.

وثقتنا كبيرة في أن وزارة الإعلام وهيئة تنظيم الإعلام تتابعان هذه الممارسات لتنظيمها للتخلص من الظواهر التي تثير بعض الإشكالات المهنية والتنظيمية التي تمس طبيعة العمل الإعلامي، ما يجعل الحاجة قائمة إلى مزيد من الوضوح في المعايير وتعزيز الرقابة، بما يسهم في ضبط المشهد الإعلامي والحد من أي ممارسات قد تؤثر على مهنية القطاع أو تستغل اسمه بطرق غير منضبطة.

إن حماية الصحافة لا تقع على عاتق الصحفيين وحدهم، بل هي مسؤولية منظومة متكاملة. ويشمل ذلك تطوير آليات الترخيص، ومتابعة الأداء، وتفعيل المعايير المهنية، والتعامل مع التجاوزات بما يضمن بيئة إعلامية أكثر انضباطًا واتساقًا.

وفي المحصلة، يظل الإعلام مهنة قائمة على المسؤولية والمصداقية، قبل أن يكون مسميات أو منصات، وهو ما يستدعي الالتزام بحدوده المهنية وأخلاقياته.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *