رحيل رينارد، وتكليف جورجيوس دونيس بقيادة المنتخب السعودي، ليس مجرد تغيير فني تقليدي؛ فالمسألة أعمق من اسم مدرب يدخل، وآخر يخرج. المنتخب السعودي اليوم يقف أمام مرحلة حساسة لا تتحمل إعادة تدوير الأفكار، أو استنساخ التجارب السابقة، وليست عن الفوز بالمباراة التالية فقط، بل عن إعادة تعريف شخصية المنتخب بالكامل. دونيس لا يحتاج أن يبدأ من الصفر، لكنه يحتاج أن يبدأ من الحقيقة، وهي التخلص من وهم “المنتخب المثالي”.
قد لا نمتلك المواهب الوفيرة، ولكننا أيضًا لا نملك رفاهية الانتظار الطويل، حتى تنضج كل العناصر؛ لذلك المطلوب ليس فريقًا جميلًا بصريًا، بل فريق يعرف كيف ينافس، وكيف يفرض شخصيته، حتى عندما لا يكون الأفضل فنيًا.
المرحلة المقبلة مزدحمة؛ تصفيات، بطولات قارية، وضغط جماهيري وإعلامي لا يرح؛م لذلك، أول ملف يجب أن يفتحه دونيس هو ملف الهوية التكتيكية، فمنتخبنا خلال السنوات الأخيرة لم يملك قالبًا واضحًا، والجمهور لم يعد يعرف.. ما هي هوية المنتخب؟ هل هو فريق هجومي؟ هل يعتمد على التحولات؟ هل يجيد السيطرة أم المرتدات؟ على دونيس أيضًا أن يبني عمودًا فقريًا ثابتًا؛ فالمنتخبات الناجحة لا تغيّر ملامحها كل شهر، فكثرة التجارب قد تبدو شجاعة، لكنها أحيانًا علامة ارتباك.
الحديث عن المدرب وحده ليس كافيًا، والنجاح في المنتخبات لا يُصنع فقط داخل الملعب، بل في طريقة إدارة المشروع من خارجه، وهنا يأتي دور الاتحاد السعودي لكرة القدم، الذي يجب أن يمنح دونيس نفس مساحة الثقة والدعم التي مُنحت لرينارد، وربما أكثر؛ فرينارد حصل على دعم واسع، وصلاحيات كبيرة، وثقة طويلة حتى في الفترات، التي ظهر فيها المنتخب بصورة متذبذبة أو سلبية فنيًا؛ فإذا كان اتحاد القدم يرى أن دونيس هو الرجل المناسب، فعليه أن يحميه من ردود الفعل السريعة، ومن ضغط النتائج القصيرة، ومن ثقافة البحث عن “المنقذ المؤقت”.
المنتخب السعودي لا يحتاج فقط إلى مدرب جيد، بل إلى بيئة تؤمن بأن البناء الحقيقي يحتاج وقتًا، وأن المنتخبات الكبرى لا تنهض بتغييرات متكررة، بل بثقة ممتدة لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لدونيس ليس خسارة مباراة؛ بل أن يشعر أن الثقة به مؤقتة منذ اليوم الأول.
دونيس لا يملك ترف الوقت، ولكنه يملك فرصة نادرة: أن يصنع منتخبًا أقل ضجيجًا، وأكثر نضجًا.
@MohammedAAmri
دونيس وحده لا يكفي
