الإقتصاد

قطرة الماء .. قصة تحدٍ وطموح بدأها المؤسس وتوّجها الملك سلمان.. المملكة تتصدر عالميا في تحلية المياه

عبدالله صقر – مركز المعلومات

في الثامن والعشرين من فبراير عام 1967م نشرت “البلاد” بعنوان “خبير الأمم المتحدة ومدير التخطيط يشيدان بمشروعات العين” ، تناول الزيارة التفقدية للدكتور حسن فريد المستشار بهيئة الصحة العالمية والمهندس محمد سعيد فارسي مدير وحدة تخطيط المدن بالمنطقة الغربية وعدد من المسؤولين لمشروع الإصلاحات الجديدة بعين سولة وما استجد بالعين من مشروعات وترميمات.
فقديما عانت مدينة جدة من أزمة وندرة في المياه, جعلتها تعتمد بشكل أساسي على الأمطار الموسمية ، وتقطير مياه البحر والصهاريج التي كانت تمتلئ من مياه السيول خارج المدينة.
نصل إلى قصة تحلية المياه المالحة التي عرفتها جدة منذ نحو من 114 سنة وبالتحديد عام 1907م، عندما انتشلت آلة تعمل بالفحم الحجري لتقطير بخار الماء من إحدى السفن المتحطمة ونصبت على شاطئ جدة وسميت فيما بعد بـ( الكنداسة )، ولكن هذه الآلة البخارية لم تكن تفي باحتياجات السكان حيث بلغ أقصى إنتاج لها 135 طناً يومياً، وكان يعتريها العطل بين الفينة والأخرى، وكان البعض يعتمد على الصهاريج، والمياه الأقل جودة التي كانت تُخزَّن في البيوت، مما تبقَّى من مياه الأمطار. وفي العام 1926م أمر الملك المؤسس، رحمه الله ، باستيراد آلتين كبيرتين لتقطير مياه البحر لتأمين احتياجات الحجاج والمعتمرين من المياه بالإضافة إلى تزويد سكان مدينة جدة بالماء ، لكن كل ذلك لم يكن كافيآ عند الملك المؤسس ولا لطموحه في توفير المزيد من المياه التي يحتاجها المواطنين.

العين العزيزية
فقد ادرك بثاقب نظره ، اهمية جدة وموقعها الاستراتيجي كونها بوابة الحرمين الشريفين وموطئ قدم ضيوف الرحمن وما يتبع ذلك من ازدياد في عدد السكان والحجاج ، فكان التحدي هو توفير المياه لأهالي جدة على مدار العام وزيادة ضخها في مواسم الحج.
لذا أصدر الملك عبد العزيز أمره بشراء ما يكفي من مياه الشرب من عيون وادي فاطمة ، كما أمر أن يُسحب الماء منها إلى داخل مدينة جدة لسقيا السكان والزوار والحجاج وكل ذلك على حساب الملك الخاص ، وأُطلق على هذا المشروع اسم “العين العزيزية” نسبة إلى الملك عبدالعزيز الذي جعل من العين صدقة جارية، وعين نائبه العام في ذلك الوقت الملك فيصل ناظرًا للوقف، فأشرف على تطويرها واستمراريتها ، فشرع بتنفيذ مشروع لإيصال المياه من وادي فاطمة إلى جدة عبر أنابيب مستوردة وأخرى مصنعة محلياً بمسافة 70 كيلومتراً ووصل أثره إلى مدينة جدة حيث الخزان في الكيلو14في غرة محرم 1367ه.
وبدأ مشروع العين العزيزية بتكلفة 6 ملايين ريال وهو مبلغ كبير بمقاييس ذلك الوقت وتبرع بها الملك عبدالعزيز آل سعود – رحمه الله – من حسابه الخاص ، وكان إيصال مياه أول عين من عيون وادي فاطمة إلى جدة خلال ثمانية أشهر بإشراف متخصصين من إنجلترا ومصر، حيث قامت شركة جلاتلي هينكي الإنجليزية بتوريد المواسير والأنابيب والصمامات اللازمة، كما أنشئ لاحقا خزان كبير لجمع مياه عيون وادي فاطمة في الكيلو 14 بطريق مكة المكرمة، كما قامت العين العزيزية بإنشاء شبكة توزيع المياه في جدة لإيصال المياه نظيفة ومعقمة إلى الأحياء والمنازل والحدائق.

أكبر محطة إنتاج
واليوم وفي عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله ، كانت نقطة التحول الكبرى للمملكة في مسيرتها التنموية وتحقيق مستهدفاتها الإستراتيجية الوطنية للمياه. فقد تبوأت المملكة الصدارة كأكبر دولة في العالم إنتاجاً للمياه المحلاة بنسبة 22 % من الإنتاج العالمي من خلال المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة حين تسلمت في فبراير 2019 م الشهادتين المقدمتين من موسوعة “غينيس” للأرقام القياسية بوصفها أكبر منشأة منتجة للمياه المحلاة في العالم بحجم إنتاج بلغ 5.6 مليون متر مكعب يومياً. ومحطة تحلية الجبيل كأكبر محطة إنتاج للمياه المحلاة في العالم بكمية إنتاج 1.401 مليون متر مكعب يومياً ، ثم أتبعتها المؤسسة حديثآ بإنجاز آخر وذلك بزيادة الإنتاج ليصل الى 7.9 مليون متر مكعب من المياه المحلاة يومياً (مع القطاع الخاص) وهو الإنتاج الأعلى في العالم ، وتنقل المياه المحلاة للمؤسسة عبر خطوط أنابيب بطول إجمالي 11.2 ألف كلم والذي ساهم بإيصال المياه إلى جميع أنحاء المملكة.
كما سجّلت “التحلية” رقماً قياسياً عالمياً في موسوعة غينيس للأرقام القياسية عن أقل محطة تحلية استهلاكا للطاقة في العالم بـ 2,27 كيلو وات/ساعة لكل متر مكعب من المياه المحلاة بمحطة التحلية الجديدة.
ويظل هذا الإنجاز غير مسبوق طوال تاريخ محطات تحلية المياه على المستويين المحلي والعالمي، فضلاً عن مساهمته في تعزيز مكانة المملكة المرموقة عالمياً، لتواصل احتكارها الصدارة العالمية لعامين متتاليين.

مشروعات طموحة
في أغسطس المنصرم كشفت المؤسسة العامة لتحلية المياه عن حجم تكلفة الحزمة الأولى من محفظة مشاريعها البالغة 13.105 مليار ريال، لعدد 21 مشروعاً مائياً.
وتعد هذه المشروعات الحزمة الأولى ضمن المحفظة الخمسية الرأسمالية لمنظومة البيئة والمياه والزراعة الموجهة لـ 1335 مشروعاً مائياً في مناطق المملكة كافة، وذلك عقب صدور موافقة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية -حفظهما الله- على تخصيص 105 مليارات ريال.
وبحسب (التحلية) أن هذه المشروعات تستهدف وصول خدمات المياه المحلاة إلى مناطق جديدة، إلى جانب استكمال بعض المشاريع القائمة التي يُعمَل عليها حالياً، كما تهدف إلى سد الاحتياج ومعالجة أزمة الطلب المتزايد المدفوع بالنمو السكاني في بعض المناطق، والإسهام في تحقيق الأمن المائي والاستدامة، ورفع موثوقية منظومة الإنتاج والنقل والخزن، وتطبيق أفضل الممارسات التشغيلية لتحقيق الاستفادة المثلى من الأصول، وتعزيز القدرات الإنتاجية من المياه المحلاة، خاصةً أن هذه المشروعات تغطي 7 مناطق، هي: الرياض، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، وعسير، والمنطقة الشرقية، والباحة، والساحل الغربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.