متابعات

الركائز الأساسية للتنمية الصناعية المستدامة

بقلم الدكتور أدهم سليمان، شريك في شركة آرثر دي ليتل بالشرق الأوسط.

يشكل القطاع الصناعي عاموداً فقرياً للدول الكبرى اقتصادياً، ومحوراً رئيسياً للتنمية البشرية على مدار العصور. واليوم، تساهم الابتكارات التقنية الناشئة في فتح آفاق جديدة من النمو والازدهار لهذا القطاع، إلا أنه يجب على الحكومات والشركات المصنعة أن تعيد ترتيب الأولويات وتركيز الجهود لضمان محافظة القطاع الصناعي على وتيرة نموه وازدهاره بطريقة مستدامة وصديقة للبيئة، وتشكل المملكة العربية السعودية مثالاً يحتذى به في هذا السياق.

الثورات الصناعية: من الكهرباء إلى الذكاء الاصطناعي

بناءً على إرث الثورات الصناعية الثلاث التي شهدها العالم، تفتتح الثورة الصناعية الرابعة (4IR) المدعومة بأحدث التقنيات كالذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء (Internet of things) وغيرها، فصلاً جديداً في حياة البشرية، حيث ساهمت التحولات التي أحدثتها هذه التقنيات في إحداث تغييرات جذرية وبوتيرة متسارعة في مختلف القطاعات الاقتصادية فضلاً عن تغيير النماذج التشغيلية التي اعتادت الشركات والحكومات على اتباعها في السابق.

 توفر الثورة الجديدة فرصاً لا مثيل لها لتنمية الدول الناشئة والدول المتقدمة. ولكن هناك مسألة مهمة ينبغي أخذها بعين الاعتبار تتمثل في ضرورة إدارة تداعيات الثورة الصناعية الرابعة بشكل مستدام، وإلا فإنها ستكلّف العالم الكثير. فالوتيرة المتسارعة للإنتاج الصناعي اليوم ترتبط على نحو كبير باستنزاف الموارد الطبيعية وارتفاع مستويات الانبعاثات الضارة بالبيئة. وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال: إلى متى يمكن للبيئة استيعاب مثل هذا التطور الصناعي الهائل؟

لحسن الحظ، لم يتم بعد تحديد الإجابة عن هذا السؤال، وهذا يعتمد بشكل أساسي على إجراءات الحكومات والشركات وأصحاب المصلحة الرئيسيين عبر مختلف القطاعات. وقد حددت شركة الاستشارات الاستراتيجية “آرثر دي ليتل” الأبعاد الرئيسة عبر سلسلة القيمة الصناعية التي يجب على الحكومات والشركات معالجتها لضمان النمو المستدام.

أبرز  إجراءات القطاع الخاص لتعزيز الاستدامة الصناعية

يبذل المصنعين جهوداً كبيرة لتعزيز الاستدامة الصناعية، وذلك من خلال تنفيذ مبادرات ومشاريع تحويلية على طول سلسلة القيمة، ابتداءً من مدخلات الصناعة وصولاً الى التسويق والبيع.

  1. التوجه نحو مدخلات صناعة مستدامة

كشفت جائحة كورونا التي عصفت بالعالم في أوائل العام 2020 عن نقاط ضعف محورية في سلاسل التوريد الصناعية العالمية، وأبرز الأمثلة هو النقص الحاد في المواد الخام لمعظم الصناعات. الأمر الذي شكل ذعراً كبيراً بين الشركات المصنعة. والآن، ولا يزال هذا التحدي قائم متمثلاً بمخاطر على الاستدامة الصناعية. في هذا السياق تبرز أهمية استخدام المواد الخام الصديقة للبيئة، بالإضافة الى الاعتماد على مصادر مستدامة للطاقة والمياه، مثل الطاقة المتجددة والمياه المعالجة. ومن الأمثلة الرائدة على ذلك، شركة “ايكيا” التي تروج للممارسات الصديقة للبيئة، من خلال استراتيجيتها للاستدامة، مثل الحصول على نصف أخشابها من غابات خاصة مصممة بطريقة مستدامة، والعمل على الاعتماد على الطاقة المتجددة بنسبة 100٪ في متاجرها بحلول عام 2030.

  1. الارتقاء بعمليات التصنيع

يجب على المصنعين السعي جاهدين لتحقيق التميز التشغيلي، وتقليل بصمتهم الكربونية كجزء من استراتيجية شاملة تعتمد على “تقليل استهلاك المواد وإعادة الاستخدام، وإعادة التدوير”. وتعمل شركة “BMW” بجهد على اعتماد الأتمتة والأنظمة الذكية المتقدمة في العديد من منشآتها التصنيعية، مما أدى إلى نجاحها في تحقيق انخفاض بنسبة 30٪ من استهلاكها للمواد وبالتالي خفض الانبعاثات على مدى السنوات العشر الماضية.

  1. فعالية الشحن والتوزيع

على المصنعين اعتماد إجراءات لوجستية “خضراء ومستدامة” وخصوصاً في عمليات التخزين والشحن، وذلك من خلال تطبيق عمليات فعّالة في استخدام المساحات وفي استهلاك الوقود. في هذا السياق، تستخدم شركة “UPS” شاحنات جديدة تعمل بالغاز الطبيعي المضغوط (CNG)، وتطبق تقنيات رائدة في استهلاك الوقود، مثل تقنية تخطيط المسار عبر الأقمار الصناعية.

  1. التسويق الأخضر

على المصنعين الترويج والتسويق للمنتجات الصديقة للبيئة والتحول من التسويق التقليدي الورقي الى التسويق الرقمي، مما يدعم الشركات المصنعة في جهودها لتعزيز ممارسات الاستدامة. كما يمكن لهذا النوع من التسويق الأخضر أن يعزز ربحية الشركات، حيث يعبّر المستهلكون بشكل متزايد عن تفضيلهم للبدائل الصديقة للبيئة ورغبتهم بشرائها.

أبرز  إجراءات القطاع العام لتعزيز الاستدامة الصناعية: نظرة على جهود المملكة العربية السعودية

تشكل الشركات الصناعية الرائدة أمثلة يُحتذى بها حول الدور الذي يمكن أن يلعبه القطاع الخاص لإحداث تأثير إيجابي فيما يتعلق بتعزيز الاستدامة الصناعية. ولكن على الرغم من ذلك تظل جهودهم محدودة ما لم يتم تمكينها وتنظيمها من جانب الجهات الحكومية المعنية. ومن خلال دعم الممارسات “الخضراء”، وتنفيذ مبادرات ومشاريع صديقة للبيئة.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك ما تقوم به المملكة العربية السعودية التي تعتبر أكبر قوة صناعية في دول مجلس التعاون الخليجي. فقد برهنت المملكة على التزامها ببناء مستقبل أخضرا واستدامة عبر إطلاق مبادرة “السعودية الخضراء”، كما تقود المملكة جهود الاستدامة الصناعية على مستوى الدولة من خلال العديد من المبادرات الاستراتيجية.

  1. الدعم بالحوافز والتمويل

 تقود المملكة العربية السعودية عملية تحول شاملة في القطاع الصناعي من خلال عدداً من المجالس واللجان وفرق العمل التي تسعى لتعزيز الاستدامة في الصناعة وتأمين التمويل للمنشآت الصناعية لدعمهم في رحلتهم الخضراء.

  1. تفعيل متطلبات الترخيص الصديقة للبيئة

تعمل المملكة على تحديث متطلبات الترخيص الصناعي، من خلال فرض معايير تعزز تبني التقنيات المتقدمة، ما يزيد من كفاءة عمليات التصنيع، ويساعد على تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

  1. تعزيز أوجه التعاون والشراكة في مجال تحول الطاقة

تعمل الحكومة السعودية على توحيد الجهود في منطقة الخليج العربي من خلال التعاون المستمر بين دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك بهدف تعزيز التنمية المستدامة للصناعات، وتفعيل الجهود الهادفة لمكافحة التغير المناخي في المنطقة. ويشمل ذلك الجهود المبذولة للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وحلول إدارة النفايات، وزيادة الوعي حول الاستدامة الصناعية.

  1. تمكين تنمية الشركات الصغيرة والمتوسطة

تدعم حكومة المملكة العربية السعودية الشركات الصناعية الصغيرة والمتوسطة من خلال توفير الحوافز والخدمات التي تمكنها من النمو على نحو مستدام، حيث تشكل هذه الشركات حوالي 90٪ من القطاع الصناعي في المملكة. وتشمل الحوافز تشجيع استخدام التقنيات عالية الجودة التي تقلل من الهدر، وتأمين التمويل للشركات الناشئة ذات التوجهات الخضراء والمستدامة. وسيسهم ذلك في تعزيز استدامة عمليات التصنيع وتمكين اعتماد الممارسات البيئية والاجتماعية وتلك المتعلقة بحوكمة الشركات.

الطريق نحو المستقبل الصناعي المستدام:

التنمية الصناعية المستدامة ضرورة أساسية لكل من الحكومات والشركات، ومع ذلك، لا تزال الدول بعيدة عن الوصول إلى الاستدامة الصناعية بمفهومها الشامل وستحتاج إلى تعزيز أوجه التعاون والتكاتف بين القطاعين العام والخاص لتنفيذ مجموعة متكاملة من الأنشطة عبر سلسلة القيمة، الأمر الذي سيسهم في إحداث تأثير إيجابي طويل الأمد، ويرسم المسار نحو مستقبل مزدهر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.