اجتماعية مقالات الكتاب

حمى المقارنات الأكاديمية!

المقارنات ليست دومًا سلوكًا ممقوتًا خصوصًا حينما تستهدف إعمال العقل وشحذ الهمم وإطلاق الخيال ليتدبر ويتفكر قبل أن يصدر أحكامًا ويتخذ قرارات في أي أمر ذي بال.

والأكاديمية بوصفها دار الفكر وبيت التفكر وحاضنة المفكرين والباحثين وأساتذة المنطق والفلسفة مصدر خصب للمقارنات الصحية التي تبتغي تطور المعرفة وتنشد نماء العلوم بالقدر الذي ينقل المجتمعات المختلفة من نار الجهل إلى جنة العلم ونعيمه!
فمقارنة الأكاديميين لنتائج الدراسات العلمية، والتفريق الجزل بين الأطر الفلسفية، وتتبع الفروق بين المناهج والمدارس البحثية المختلفة، كلها ممارسات راشدة حينما تتوخى إثراء القاعة الأكاديمية والمجالس العلمية والملتقيات المجدولة، وهي أيضا نقاط للجدل الصحي الذي يرفع من قيم الإدراك وينشط الفكر الناقد والابداعي، بل ويخلق جوًا حواريًا منعشًا قوامه احترام الاختلاف وانتقاء المفيد وطرح النافع!

وحينما تتضارب المصالح وتتقاطع المعتقدات بشكل سلبي، ينشأ ويترعرع وينتشي نوع شرس ومفترس من المقارنات داخل أروقة وقاعات الأكاديمية، قوامه احتقار المخالف ونبذ المضاد بل والتنمر الأكاديمي ضد كل محاولة للاستقواء في وجه السائد من الأعراف العلمية والمتبع منها في الجامعة والكلية والمعهد!

هذه المقارنات المحبطة بائسة في كل حالاتها؛ لأن نتيجتها الحتمية هي الخروج من جمال الاختلاف الى الانتصار للذات، والاعتداد بالمكتسبات، والانتهازية في شن هجوم، وهجوم مضاد في أقرب سانحة؛ طلبًا للظفر بغلبة مزعومة لايكسب فيها سوى الجهل والتخلف!

لذا فإن المقارنات الأكاديمية التي تأخذ طابع الأفضلية والكمال والتحقق تفضي غالبًا لنزاع مستعر جدًا، فعلى سبيل المثال تقوم حروب طاحنة بين بعض الأكاديميين حول أن المدرسة الإنجليزية البحثية أفضل من الأمريكية أو العكس، وإذا ما كان المنهج الوصفي مقدمًا على الكمي، وأن الابتعاث خير من الإيفاد أو العكس، وأن التخصصات النظرية أعمق من التطبيقية، وأن بحوث الترقية لاترقى لمستوى بحوث المعرفة العامة، وأن تخصصًا ما داخل القسم أفضل من شقيقه وهكذا.
مقارنات – حين نتأملها – بهدوء نصل إلى أنها في مجملها تقدم فهمًا بائسًا لمفهوم الأكاديمية العميقة التي تذهب وراء الشكليات الهشة، بل إنها تؤطر لوضع قاعدة هلامية لايمكن الاتكاء عليها في بناء مجتمع معرفي معافى من هذه الندبات التي تشوه رداءه الجميل!

قديمًا جمع أفلاطون الأكاديميين في بستان أسفل سفوح الإكربوليس في أثينا، ومنع غيرهم من الدخول إليه لثقته في رجاحة فكرهم وحدته المستمد من العلم، ونحن بصدق ندعو كل من يرى أنه يندرج تحت هذه النخبوية في مجال المعرفة أن يراجع سلوكه الأكاديمي، فالعالم بشكله المعاصر لايعزز قيم المقارنة لغرض الانتصار للذات بقدر مايراها منصات إطلاق صواريخ في فضاءات التقدم والتنمية والحياة!

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *