اجتماعية مقالات الكتاب

الزواج على المذاهب

طالعت قبل فترة مقالاً صحفياً ضمّنه كاتبه عن مرونة فقه أحد الأئمة في الزواج وأنه أكثر إنسانية للمرأة بحيث يجيز لها تزويج نفسها وإنشاء العقد بلا ولي، وضمّنه كذلك الدعوة إلى تبني المبادرة الاجتماعية التي تحث المحامين على تولي الدفاع عن المعضولات مجاناً.

وفي الحقيقة أن هذا الرأي يخالف ما دلت عليه الأدلة وما استقرت عليه أقوال الفقهاء عبر العصور، وذلك من خلال نقطتين: أولاً: الشريعة الإسلامية شريعة سمحة صالحة لكل زمان ومكان، وفي المذاهب الفقهية من المرونة ما يغنينا عن التنقل بين أقوال الفقهاء وتتبع المرجوح منها رغبة في موافقة الهوى وما ترتضيه النفس، وطالما كان هناك إعجاب كبير لدى الكاتب بفقه إمام بعينه فليكن هذا المذهب هو المتبع في كل أمور حياته، دون أن تكون مذاهب الفقهاء كالبازارات يُتنقل فيها من واحد إلى آخر لينتقي منها ما يحلو له، ولو تنزلنا لهذا الرأي لطُلب بأن يكون الزواج على مذهبٍ والنفقة والحضانة والطلاق على مذاهب أخرى، وهذا في حقيقته أقبح من تتبُع الرخص الذي نهى عنه الفقهاء، وليس هو تلفيق لأقوال أهل العلم، فالتلفيق في الأقوال الفقهية لا يتأتى إلا لمن ملك آلة الاجتهاد العلمي والفقهي،

وما لا يعلمه هؤلاء أن الخلافات الفقهية بين فقهاء الشريعة مبنية على أصولٍ وقواعد يجهلها أصحاب الثقافة العامة ومن يرون أن العلم الشرعي وحده يؤخذ عن طريق الانترنت ووسائل التواصل، فقد يكون الخلاف مبنياً على قواعد أصولية أو لغوية أو حديثية أو غيرها، ولا يطّلع هؤلاء إلا على نتيجة الخلاف وماذا قال كل عالم دون بصيرة بخلفية هذا الرأي أو ذاك، ولو تأملنا في خلاف العلماء في مسألة النكاح بلا ولي لوجدنا أن جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة قد منعوا الزواج بلا ولي، بل قد حكى بعض الصحابة عدم الخلاف في ذلك، وهب أننا قلنا بصحة الزواج بلا ولي، أفلم يقال ذات يوم إننا لا نتعبد الله بقول العلماء وإنما نتعبده بما ورد في الكتاب والسنة، فها هو الكتاب قد وجه الله فيه الخطاب في مسائل النكاح إلى الذكور فقط فقال سبحانه: (فانكحوهن بإذن أهلهن) وكذلك قوله تعالى (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن)، وإن قالوا إن الآيات ليست صريحة في هذه المسألة، فماذا عساهم أن يقولوا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (لا نكاح إلا بولي) وكذلك (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل)، ثانياً: أؤيد ما ذهب إليه الكاتب في مقاله عن ضرورة وجود قانون الأحوال الشخصية الذي ينظم حالة الاجتهاد القضائي ويجعل الأحكام الفقهية المتعلقة بها دائرة في فلك واحد، وهذا أمر محمود ولا بد منه، ولكن هل لو جاء قانون الأحوال الشخصية بضرورة وجود ولي في النكاح فهل ستكون هناك دعوة أخرى إلى النظر في تعديل القانون بما يتوافق مع الرأي المطروح؟ لذلك أرى أن الأمر لو بقي على دعوة المحامين إلى الترافع عن المعضولات مجاناً لكان أولى من الكلام في أمور شرعية وقانونية لها أهلها والمتخصصون فيها.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *