اجتماعية مقالات الكتاب

ذاكرة الكاتب

عام 1922 كانت برلين العاصمة الأدبية لمجتمع المهاجرين الروس؛ وذلك بعد عدم الاستقرار السياسي في أعقاب الثورة فنزل بعض الكتاب والمفكرين الروس في ذلك العصر بما فيهم فلاديمير نابوكوف ومارك شاغال ومارينا تسفيتايفا وبوريس باسترناك إلى العاصمة الألمانية؛ وقاموا بإنشاء دور نشر وجمعيات ثقافية ومجلات للمهاجرين.

كانت إحدى تلك المجلات تحاول الانطلاق بعد تعطلها بسبب ما أصاب الناقد الأدبي فيكتور شكلوفسكي من نوبة غضب هدد علي آثرها بتعطيل المشروع بأكمله وذلك في محاضرة رعتها المجلة؛ بعد أن هدأ من نوبته، أرسل شكلوفسكي مذكرة اعتذار كتب فيها “اعترف: “أنا مخطئ بالتأكيد”؛ ولكن كان هناك تفسير: “باختصار ، أنا واقع في حالة حب وغير سعيد للغاية.”

إلى جانب اعتذاره ضمن شكلوفسكي مخطوطة لكتاب جديد كان يعمل عليه برواية بعنوان “حديقة حيوان، أو رسائل ليست عن الحب”؛ وهي رواية أرخت علاقته العاطفية مع إلسا تريوليت وهي روسية تعيش في برلين؛ أشار فيها إلى كفاحه للتكيف مع الحياة خارج روسيا؛ لكن الرسالة الأخيرة من النسخة الأصلية من الرسالة لم تكن موجهة إلى حبيبته؛ بل كانت إلى الحكومة الروسية يطلب فيها السماح له بالعودة بعد أن اختار المنفى كنوع من الحب بلا مقابل وبالتالي فإن الرسالة هي في الحقيقة قصة شوق معكوسة لمحب أو لبلد أو مزيج من الاثنين

رسالة شكلوفسكي هي التجربة الأدبية العظيمة التي لم تتحدث عن الحب بشكل مباشر فالرسائل التي أعيد طبعها مع بعض التخيلات البسيطة تجنبت التعامل مع الحب بشكل مباشر؛ وبدلاً من ذلك تعمقت في موضوعات بعيدة عن الحب فهي رسائل لا تتعلق بالحب على وجه التحديد؛ بل حققت علاقة حميمة لا لبس فيها عن حب من نوع آخر وهي حديث حول ما يعنيه نقل المودة من خلال الكلمات وسجلها الاستطرادي الذي يوضح أن الرغبة النهائية في الحب لا تتمثل في مشاركة مشاعرنا الرومانسية؛ بل إحساسنا بالعالم وانطباعاتنا عن الحياة بشكل من العادي إلى الشعري لكن مع شخص آخر.

في الواقع عندما تطلع على الرواية تجد أكثر ما يشعرك بالحب فيها هو عندما لا يناقش المراسلون الحب بشكل صريح؛ لكنه يترجم بين السطور عندما يشاركون تفاصيل حياتهم؛ كشكلوفسكي عندما كتب “يجب أن أركض إلى مخبز للحصول على كعكة “؛ وهو ما يعني أن مشاركة هذه التفاصيل أو هذه الذكرى المدفونة في ذاكرة الكاتب هي اعتراف بالشعور بالحب؛ وأرى أنه أمر جيد أن يتم نقل الحب بشكل غير مباشر وهو ما أصبح مبدأً جماليًا لشكلوفسكي في أعمال لاحقة له.
[email protected]
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.