متابعات

تحصين عش الزوجية في مواجهة الانفصال

جدة – رانيا الوجيه

ثلث الزيجات تنتهي بالطلاق! .. النسبة مرعبة وربما تكون محيرة .. الصدام هو أن الأرقام رسمية صادرة عن الهيئة العامة للإحصاء مما يؤكد خطورة الظاهرة وأهمية معرفة مسبباتها وضرورة التصدي لها ولاشك أن الطلاق يمثل ظاهرة نفسية واجتماعية تعاني من تداعياتها معظم المجتمعات البشرية ولكن تختلف معدلاتها وارتفاع نسبها من مجتمع إلى مجتمع آخر، حسب درجة الوعي الجمعي والعمق الحضاري ، لكن الخطورة تتبدى أكثر حين تتجاوز تداعيات الانفصال نفوس الأطفال وتؤثر على سلامة وأمن ورفاهية المجتمع، وتشير الحيثيات إلى أن هناك حزمة من الأسباب تؤدي إلى قصف (العش الوردي) منها غياب الثقافة الزوجية بمختلف مستوياتها الاجتماعية والحقوقية والاقتصادية بين الزوجين الحديثين.

فضلا عن الاختلاف والتباين في المستوى الثقافي والفكري والتعليمي، حيث يشكل هذا التباين هوة واسعة، قد لا تستطيع العلاقة الزوجية تجسيرها بسهولة، فيكون الطلاق هو الحل ، إضافة إلى عدم التواصل والتحاور والتفاهم بين الطرفين، مما يجعل حياتهما أشبه بعالم من العزلة، فتبعد المسافات وتبدأ المشكلات وتتعقد الخلافات ، إلى جانب تقصير الزوجة في الواجبات المنزلية والاهتمام بالزوج، أو تقصير الزوج في تحمل المسؤولية والالتزام بالأعباء المالية، وتحت إصرار كل طرف بتوجيه الاتهام للآخر، دون مراعاة للظروف والامكانيات، يتسلل “أبغض الحلال” للقضاء على هذه المؤسسة الإنسانية الرائعة.

إلى جانب سبب آخر (عائلي) يتمثل في سيطرة الأهل، والأم تحديداً، وتدخل الأقارب في التفاصيل الصغيرة ما يؤدي إلى فض الشراكة وتشتت الأسرة.
(البلاد) حملت ملف الطلاق الى المختصين والأطراف المعنية، وتساؤل عريض: ماذا يحدث؟ ولماذا؟ وما هو الحل؟.
في البداية يوضح الباحث الأكاديمي المتخصص في القضايا الاجتماعية والأسرية خالد الدوس أن علم الاجتماع يرفض نظرية العامل أو السبب الواحد عند تناوله أية قضية أو ظاهرة مجتمعية ويقول: آفة الطلاق في مجتمعنا ذات المعدلات العالية والنسب المزعجة خلال السنوات الاخيرة.. لها أسباب وعوامل كثيرة قد تكون اجتماعية كتدخل أهل الزوج والزوجة في أمور وعلاقة الزوجين في كل صغيرة وكبيرة مما قد يؤدي إلى مزيد من المشاحنات والمنازعات، ومزيداً من العنف والصراع داخل الكيان المنزلي في ظل غياب الحوار الأسري ومناخه الصحي، ما يؤدي إلى تهاوي أركان العش الوردي.


عوامل نفسية

ويضيف الدوس إن من العوامل المؤدية الى ارتفاع نسب الطلاق في مجتمعنا الابعاد النفسية مثل الغيرة الشديدة والشك الزائد وعدم الانسجام الروحي والعاطفي وحب السيطرة والتوتر والقلق والاضطرابات الانفعالية والوجدانية داخل الحياة الزوجية. خاصة مع ضغوط الحياة ومتطلباتها المعيشية بالنسبة للزوج غير القادر مادياً. مما يولد لديه صراعات نفسية ومشكلات داخلية تنعكس على الحياة الزوجية وتهديد استقرارها. كما تلعب العوامل الاقتصادية وعدم القدرة على تلبية احتياجات الأسرة, دورا في ذلك بالإضافة إلى دخول المرأة مجالات العمل المختلفة مما يترتب عليه استقلالية اقتصادية للزوجة عن الزوج مما قد يؤدي الى النزاع المنزلي في بعض الحالات ويسبب بالتالي خللا في التنشئة الاجتماعية للأبناء فيشعرون بالاغتراب رغم وجودهم داخل الاسرة.

وتؤكد دراسة علمية أكدت أن عمل المرأة لا يزعزع حياتها الزوجية من الناحية الاقتصادية.. ولكن يزيد من فرص الاضطراب على صعيد تأديتها لواجباتها الأسرية والقيام بالحقوق الزوجية وزيادة المشكلات داخل البناء الأسري، وتؤثر المتغيرات الثقافية وتحولاتها التكنولوجية في تزايد نسبة الطلاق في نسيجنا المجتمعي, خاصة مع ظهور شبكات التواصل الاجتماعية وتحدياتها الرقمية والثقافية.. ومع تعدد العوامل والأسباب التي ساهمت في ارتفاع معدلات الطلاق في المجتمع السعودي وما يتمخض عن هذه الآفة المرضية.. من آثار اجتماعية ونفسية واقتصادية وأمنية وصحية تهدد بالطبع البناء الاجتماعي ووظائفه إذا اتسعت دائرتها المظلمة.. ينبغي إيجاد الحلول العلمية والعلاجية التي تحد من انتشارها وتضبط توازنها.. ولعل من أهمها إلزام الشباب والفتيات المقبلين على الزواج بأن يخضعوا إلى دورات تأهيلية متخصصة “لمدة شهر” في كيفية التعامل مع المشكلات الأسرية وتنمية المهارات النفسية والسلوكية وتعزيز قيم الوعي الاقتصادي وإعداد الميزانية المنزلية ونشر الثقافة الحقوقية وغيرها من البرامج التثقيفية والتنويرية التي تنظمها مراكز متخصصة يحصلون بعدها على رخصة تسمح لهم بالزواج, والدخول الى عالم “العش الوردي ” بثقافة حقوقية واعية تساهم في استقرار الحياة الزوجية وبالتالي سلامة البناء الاسري وصونه.

وسائل التواصل

من جانبها تقول الاستشارية الأسرية الدكتورة نادية نصير : قنوات التواصل الاجتماعي تعد أحد أسباب الطلاق ولكن يا ترى ما الذي دفع احد الاطراف الي طلب الطلاق سواء كان الزوج او الزوجة، ففي كثير من الاحيان يحتاج الازواج الي جلسات مع بعضهم البعض والتفاهم في اشياء تعكر حياة كل منهما على مر السنين وصولا لمرحلة الطلاق والاسباب كثيرة منها الاهمال من احد الاطراف للآخر بينما هو بحاحة لمن يهتم به ويستمع له او الافتقاد للكلمة الحنونة الطيبة وهكذا، ولكن اهم شيء هو الذهاب الي المستشارين الاسريين او اللجوء لإنسان في العائلة يكون حياديا ولدية الخبرة في الحياة ، فضلا عن الدورات المكثفة عن منظومة الزواج وخصوصاً للمقبلين علي الزواج من الجيل الجديد .
اما بالنسبة للمرأة فعليها معرفة حقوقها وواجباتها وأن تقيم أمور حياتها بشكل لا يتعارض مع حقوق الزوج عليها ، فإن كان هناك اختلاف وتعصب في الرأي لن يصلوا إلى أي حلول مع أن شرع الله واضح وصريح لحقوق وواجبات كل من الطرفين، وفي اعتقادي الشخصي من حالات الطلاق التي اعرفها من حولي تمحورت حول الانانية والاصرار على الرأي واتباع الاشخاص هوى النفس وتقديم رغباتهم الخاصة على الاستمرار في الحياة الزوجية ، الزواج مثله مثل المعدن الذي يعتليه الصدأ مع الايام فكل فترة يحتاج الي من يزيل عنه الصدأ بتجديد الحياة من جديد.

صخب الحياة

وفي ذات النسق تقول المستشارة الأسرية والاجتماعية دعاء زهران أن هناك حزمة من الأسباب تؤدي إلى الطلاق فمثلا أن أزمة كورونا غيرت الكثير من المفاهيم وأعطت هذه الجائحة فرصة للفرد للتعرف على ذاته والتصالح مع نفسه ووضع نقاط سير جديدة.. فصخب الحياة جعلنا بعيدين حتى عن داخلنا فكانت تسير مجريات الحياة بتقاليد وعادات وروتين بناه المجتمع والعادات.. وكان يظن الكثير بأن تغيرها والتهاون في بعض معتقداتها شيء مستحيل..كالمبالغة في طقوس وتكاليف الزواج .

ومن جانب آخر بعض الفتيات والشباب ليست لديهم صورة حقيقة واضحة للحياة الزوجية. فتكون مخيلتهم إما من خبرة سابقة ممن حولهم او مجتمعهم او المسلسلات والأفلام وهذه صورة مغايرة عن حياة كل زوجين على حدة. فلا نبني حياتنا بنفس قواعد وأسس غيرنا. فأرضنا وبنيتنا التحتية لا تشابه غيرنا. فخضوعنا للمقاييس العلمية واختبارات قِبل الزواج والدورات التأهيلية تساهم بشكل كبير في وضع صورة مبدئية واضحة التفاصيل للحياة المستقبلية بإذن الله، وبعد أزمة كورونا والحجر المنزلي نجد أيضاً من هم انكشفت عنهم غمامة الصبر والمداراة لِمسايرة الحياة إلى الرغبة في الاستقلالية والوحدة وعدم الرغبة بوجود الشريك بحلوه ومُره، فالحجر لعدة أشهر أجبر الجميع بالتعايش مع أسرته واكتشافهم ومخالطتهم وفك الأقنعة ، هذا مما أدى الى نقلة قوية إما بالإيجاب أو بالسلب.

ومن أكثر الخلافات الزوجية التي تؤدي للطلاق، كثرة المتطلبات المادية على الرجل التي تجعله ينشغل عن شعوره بأي سعادة، فالهم والتراكمات والضغوط لا تجعل للفرد فرصة للسعادة .
الصحة النفسية

الدكتورة مها حريري استشارية نفسية واجتماعية تقول نسب الطلاق منذ عدة أعوام ماضية في ازدياد وليس السبب الرئيسي هي التقنية، وهناك دراسات ونظريات تقول ان أكبر مشكلة قد تواجه زوجين عدم التوافق في جميع الجهات منها التوافق الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي وافتقار وجود كيمياء مشتركه بينهم بمعنى تقبل الشريك حتى إذا كان هناك بعض السلبيات ، ولكل حالة زوجية لهم أسبابهم الخاصة في الإقدام على الزواج وأسباب مختلفة للإقدام على الطلاق.

ومن أبرز الحلول والنصائح التي من الممكن أن تحد من ارتفاع نسبة وحالات الطلاق أهمها، زيادة الوعي وإيجاد الصحة النفسية والنضج النفسي. أما المحامية بيان زهران ومن خلال عملها في قضايا الأحوال الشخصية تذكر أبرز الأسباب المؤدية للطلاق موضحه بقولها : تختلف أسباب الطلاق بين أسرة وأخرى فهي أسباب غير موحدة ، أما بالنسبة لارتفاع حالات الطلاق ما بعد فترة منع التجول فهذه الفترة من المؤكد انها كشفت عن أساس العلاقة الزوجية والخلل المصابة به وعدم التفاهم بين بعض الأزواج والذين وجدوا انفسهم وجها لوجه مع بعضهما.

كما أن الاعتداءات الجسدية أو اللفظية والنفسية، تقصم ظهر الحياة الزوجية وصعب أن تستمر الحياة الزوجية في مثل هذه الحالات ، أيضا أحد أسباب الطلاق عدم احترام الطرفين كلا للآخر، ولا نستطيع أن نقول بأن الأوضاع الاقتصادية هي احد الأسباب فهناك أزواج كثيرون تدهور وضعهم الاقتصادي سواء بسبب الجائحة او ما قبلها ورغم ذلك استمرت العلاقة الزوجية بشكل جيد، ولم يسبق لي أن استقبلت حالة تريد الانفصال بسبب ضعف الحالة المادية للزوج، ولكن العامل الأبرز هو وجود خلل في العلاقة الزوجية من الأساس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.