ملامح صبح

تأملات انطباعية في ديوان «ميثاق» للشاعر سيف السعدي

استهلال:

خطوة مترنحة بين أهداب السكينة، دون أن تسد الأفق أمام الحالمين في سماء المأمول، هكذا هو الشعر. كالغريب يثير النور للفراشات في عتمة الأزقة المهجورة، هو الظاهرة الكلية لنواة الواقع والمتخيل، دليلنا المشّاء للعذوبة المنسابة عن تاريخية اللغة. ففي داخل أسوار مدخلات إدراكه الحسي ومخرجاته، يدحرج الشاعر للأرواح قطوف المستطاب من مثمر مسروده ومنظومه ومنثوره.

وبتفرد أسلوبيته العبقرية يدعو الأضداد قبل المتناغمات لارتياد سهوب التأويل، يَأذَن بالدلالة للكشف عما راق وانسجم مع التوق والذوق في محفلٍ أقامه لحصد أكواز موسم البلاغة. يؤنسن الجوامد، يستنهضها فتغدو نواميس لسِفر خلواته، ومن القصيدة يمدّ لشغب غرامياته سلك اتزانٍ يربط بين فوضاه وعقلانية أداء وعيه الجاد والمتجدد. حرثت موهبته الربانية للمخاض حقلاً خصيباً يزخر بالمعارف التراكمية، واستمطر لإلهامه الفذ غيمة حبلى بالخلود، تبرق وترعد وتمطر في أفق ملكاته الروحية. شق الشاعر لقوافيه وموسيقاه قنواتاً تتفجر منابعها في ورائيات الوجود،رفد عناء التجريب بماء قلبه الأبدي لتنصبّ مساكبه في دلتا وحدة التجربة الأدبية.
الفردية نواة المجاميع الحضارية:

قرّ اليقين المتأصل في الوعي والأفهام على رأي يفيد بأنّ الشاعر الحقيقي المُجيد، المضطلع برؤاه وقضاياه، له بالغ التأثير على المدنية، شأنه كأي عنصر فاعل ينتمي لمنظومة الفن عند الشعوب الناهضة بالحضارة، سواء هي العصور السحيقة مَن أمدتنا بمحورية هذا التأثير أم تولد نبوغه عن فلتات الزمن المعاصر. على اعتبار أن منجز الفرد الواحد يتمأسس عليه كيان حضارةٍ تنتفع بها مختلف الأطياف داخل الحلقة المدنية الواحدة، ومرجع هذا الرأي صادقت على فرمانه وفرة من الدراسات الأنثروبولوجية. بدأ نطاق الانتفاع بالتوسع مع التواتر الزمني، تجاوز حدود الحلقة الاجتماعية الصغيرة بوسائط كالاكتساب والاستنساخ، التأثر والتقليد، أو بالتواصل المباشر، فعمّت هذه النفعية سائر الأمم، الأمر الذي أكسب الحضارة الإنسانية شموليتها الوجودية والتاريخية بفضل جسريات العبور هذه؛ المبنية أساساً على يد وصنيعة الفردية الأولى.

ميثاق الكلاسيكية الحديثة:
آية كل ما ورد ذكره في هذا التقديم تتضح بجلاء في تجربة الشاعر “سيف السعدي” صاحب ديوان “ميثاق” الذي حظي بشرف صدوره عن مبادرة سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم للإبداع الأدبي. فالسعدي أحد أهم الرواد المحدثين للنص الكلاسيكي، شاعر يهبط من أولمب المتخيل إلى فسحة الواقع محملاً بألواح الحكمة والبديع، يبهرك بجملة من التفصيلات والتعقيدات، أجاد في وصف وابتكار جزئيات الصورة الشعرية واستيحائها، ثائر هدم الأطر وأعاد تشكيلها برونق حديث أخاذ، توحد بالمغايرة، تواءمت خصائصه الذاتية وهوية منهج كتابته الأدبية بثراء معرفي، ونأى بقصيدته بعيداً عن النسق السائد الذي يغلب عليه طابع الرتابة والتكرار.

حافظ السعدي على عراقة المفردة المحلية خصيصةً، لصوغٍ يكتض بالتطور والارتقاء في جميع عناصر وأبجدية قاموسه المروي، أوجد بالابتكار لبنة صلبة لأطوار التراكيب الرصينة، طالت الأصالة الحداثية/ الحداثة الأصيلة مجمل التصاوير والصياغات الجزئية لنصه الشعري، الأولية والدقيقة، وطغت الحكمة على البنية الفكرية المتكاملة بين دفتي “ميثاق”.

أبستمولوجيا المتباين:
لا يفارق سياق النص لدى السعدي مبدأ التزامه التام بمسلك الحكمة، حتى وإن اصطبغ ظاهر المفردة بمدلولات الحب والغزل. يخيل للقارئ أن غياب الحكمة يترتب عليه انزياح اللغة عن إضاءة المعنى المنشود، فالسعدي منسجم والمشهد العصري دون التخلي عن ثقافة الموروث، المتأصل بصيغٍ وأنساق ترمز للمُثل العليا في جوهر الذات لدى إنسان القيم الثابتة:

ما عْرِفْت حالي الّا وطَيَّب فالي
وْلا شِفْت داني الّا وشَرّه والِم
بنزعة الشاعر الإنسانية الصرفة ينجو السعدي من مأزق نقيضه المؤطر، يقصي الهامشي المتكلس بردّة فعلٍ راديكالية غاية في الحدة، يفرّ بوجوديةٍ مصطفاةٍ عن المادي المشوب بالجسمانية، ذاك الإنسان المتصنم:

جَرّبْت في الدّنيا مَرار وْحَالي
والجُود والمَنقُود ما يِتْوالَم
كما أنه في تضادٍ أبدي مع الغيراني، السفسطائي مزور البرهان، لا يتماهى على الصعيدين الشخصي والأدبي مع المتناقض، فهو المتيقظ لكل متربص يمتهن المداهنة وسيلة بغاية التكسب (الجُود والمَنقود ما يِتْوالَم). فما أن برزت حالة من التباين الاجتماعي أو العاطفي وكأنها الندب على ملامح الآخر المداهن، إلا وأشهر السعدي خبرته والحدس أداتين للمعرفة (جَرّبْت في الدّنيا مَرار وْحَالي) ليتيقن أنه في اشتباك مع دخيل نفعي سبق له أن حقق الربح بالمراوغة في بيئته الأولى، فانسل لمكان آخر مرائياً فيه لعله يفلح. من عادة الشاعر إقصاء مفهومية المضامين المشوبة بالانقسامات والتشوش (شَرّه والِم)، وينزل المتباين في عقيدة الشاعر المتبصر منزلة الشرير (داني، شرّه). إن أبستمولوجيا الحقائق المنطقية تقر بالضرورة نبذ المتباين دون الرجوع للشواهد أحيان، فالإلهام لدى السعدي يجيد مهمة الاستشراف بنجاعة في استباق الوقائع، كالمتصف بالأصالة يزيح المتلون ذو النزعة الاتباعية، يمقت المزيف والمقنع، ويميط عنهما اللثام قبل أن يراوغا وتطفو تبعات زيغ مكرهماعلى تقاليد الفضلاء.

أرجوزة المجاز:
مادامت فكرة الانعسار تميمةً للمجاز المباح لدى شاعر مغامر، فلا ضير أن تختص الرقاب (الأعناق) بحركيةٍ ذاتية جُبلت بها حاستي النظر والسماع، فالسعدي راق له التموسق بإيقاع الوزن، اغتنم قطع فسيفساء الدهشة من دوامة التلاشي، وارتاد فضاء الترميز، قرّب المتخيل لأدنى درجة من الوضوح الصريح، حتى التفتت لقصيدته ومعشوقته الرقاب:

يا مِلفِت الأنظار واسْماع ورْقاب
وْتوقَفْ لك قْلوب النّشامى مهابه
جَذّاب.. متفوق على كل جَذّاب
واكبر مِن الدّنيا وأكثر رَحابه

يمضي الشاعر مستكملاً عقدته السينمائية في هذا المشهد الدرامي، يحشد بنية دلالية بتكثيفه لمفردات مثل (ملفت الأنظار، قلوب، جذاب، متفوق، رحابة) هي عناصر لغوية بمستوى متقارب في الوصف والمجاز، حسية حركية، ومدركات ذات مدلول عاطفي محض، وفي نظرة تقابلية داخل المشهد نفسه أحالنا السعدي إحالة فنية وبمهارة المتمكن إلى مكمن القيم والمبادئ (النشامى، مهابه)، وهي إشارات أقرب إلى الشجاعة والإقدام منها إلى لذة الوجد. تنقلنا الدلالة باستقطاب مثل هذه الإشارات الشجاعة المقدامة بعيداً عن جوقة الحب التي أسست أبيات المشهد مسرحاً لمونولوجها العاطفي. بيد أننا وبمجرد إزاحة عين الفحص عن عدسة التفتيت، ومعاودة تسليط النظر المجرد إلى قوام الفكرة الكلية المركبة، نَخلص لا محالة إلى زمكانيةٍ حيوية، لمشهد ذو تاريخ يسيل زمنه ولا يجمد (أكثر رَحابَه)، لكن السعدي يجد في موطن التمييز (متفوق) المسوغ لتوصيف قلب حبيبة، ساد كينونة شاعرٍ عاشق بالحس الجمالي وبعقل اللغة وسلطة المعنى.

غربال العقل الباطن:
(وْتوقَف لِك قْلوب النّشامَى مَهابَه)..لا معنى في مدركات الشاعر للعاطفة المُقنّعة، التي ما أن ينطمس بهرجها الظاهر إلا واستبان وجه معانيها القبيح، وانكفأت الذات العاطفية الملتهبة في مجمرها خابئة رامدة أمام عصف يقين العقل الباطن. يرفض السعدي قطعاً أن تكون القيم والمبادئ الأصيلة عدمية ثيولوجية عند البدء في تأسيس العلائق الاجتماعية أو العاطفية، فقاعدة القيم تقف على مصفوفة من الحيوات الأزلية المتجددة، ذات الوجودية التاريخية حتى وإن تصلب المعدن المادي المستحدث على بعض جداريات طين الزمن العتيق. يتطلب الحب في شعرية السعدي شهامة وشجاعة كافيتين كي يبقياه على قيد الحقيقة، فيصبح حباً مهاباً، لا ينحسر أو يتراجع قيد أنملة أمام شراسة فك المغريات.

فانوس الحكمة:
يَردُ الموت في السياق اللساني للرؤى الفلسفية ومسرود الأدب على النقيض من صيغته الجنائزية في مسلمات قاموس الواقع الاعتيادي. يقول الروائي والمفكر ليو تولستوي: “الأصعب ليس أن يموت المرء، بل أن يموت الذين حوله كلهم، ويبقى هو حياً”. فهذا هو موت الشعور في الجسد الحي، وانزياح النابض عن دائرة الآخر الفاني المنحلّ. ففي موقف الموت هذا، تبلغ الأنا سقف اكتفائها من الجشع والجبروت، وتحل أدوات الهدم بديلة عن المثل العليا في علائقيات النفوس البشرية. يفضي هذا الانزياح لاندثار صرح الأخلاق:

ما اسايِر الوَقت في خِسره وفي رِبْحه
حَيّ الخِساير إذا ما باخْسَر أخلاقي
والجاهِل الفَظّ حَربه خير عن صِلحه
رضَاه والاّ زْعَله ما يَخلِط أوْراقي

بفانوس “ديوجين” الحكيم، يعيد السعدي الاستدلال لخطابيته، فتظهر في مقولة الشاعر (ما اسايِر الوقت في خِسْره وفي رِبْحه) ثنائية الربح والخسارة (خِسْره، رِبْحه)، وهي دلالّات مادية محضة تتنافى منطقياً وحسياً مع روحية الزهد في أعراف المتدين، الناشئة بدورها عن الوحدانية مذ سادت أهلها بالورع وماتزال تسودهم بفروض الخشية الدنيوية لكسب نعيم الآخرة، وهنا وقَع تقديم الفعل (ما اسايِر) ترميزاً لسمو ضمير المتكلم المنزاح خارج زمن خطيئة المخاطب.عرس الموتى:

وهو يقطع مفازة الظلام لمورد النور، يصطدم السعدي في شطره (والجاهِل الفَظّ حَرْبَه خير عَن صِلحه) بهجمة هوجاء يقودها الجهلاء، فتستميت المثل لإقصاء إنزيم الفناء المادي عن جسد الوجودية المكلوم، تتصاعد اللغة بضمنياتها لتسور العدالة في طور الجنين البيولوجي، بغية أن تمارس العدالة سيرورتها بسلام، وتقود الوجود بقانون المساواة. والحرب هنا في قصْديّة السعدي سجال فكري خالص، مع أنني لا أبرئ هذه القصدية النبيلة من إحالة وكناية إلى الأحداث الدامية حولنا باسم الكهنوت واللاهوت. تدور رحى النزال في غور الذهنية الصلدة المتكلسة (الجاهِل الفَظّ)، ولكي نحرر الفهم من تأخر العقل الرازح تحت ربقة الظلامية الحلكاء علينا بالضرورة أن نحشد ضد هذا التأخر موروثاً من الفضائل والنصح والإرشاد، ونملي تطبيقات العلوم الموسوعية التي من شأنها وبالتنوير أن تهدم المرجعية المغليثية، الغائرة في الجهل المدقع.

فإن عجزت محاولاتك البناءة عن إزاحة الطوب الذي يسد مدخل الفضائل، أو فيما لو افتتن الجاهل بالشر وانغمس بعنده في أيدولوجيته المليص، جرب أن تملي عليه شيئاً من مدركات عرفانية السعدي الإيحائية (رِضاه والاّ زْعَلِه ما يَخلِط أوراقي) إذ أن “الحرية المقيدة أشد من العبودية نكراً” بقول المفكر عبدالرحمن بدوي. فعش كما أنت في نمائك وارتقائك ونهضويتك، مادمنا بشر أحرار ما حيينا، متجانسون بأخلاق غير قابلة للاسترقاق (حَيّ الخِساير إذا ما باخْسَر أخلاقي)، أو ارفع في وجه الناشز لافتة الفيلسوف أرسطو “عندما يخلو الإنسان من الفضيلة يكون أكثر الحيوانات وحشية”. فالجهل يسير بصاحبه في موكب موتى الضمير، ونحن بدورنا، نستمر في محاولة مستميتة لنزع ستار التراجيديا السوداء عن السائرين في موكب عرس الموتى، نتجه بالبقاء لقفار الفناء، ننشر المبادئ العقلانية الواعية عبر ديالكتيك لابد وأن ينتصر بالخير والعلم يوماً، وندحر بهما موطن الجهل، نجتث منابته، محافظين على الوجود قائماً بالعدالة وتقدمية العقل. يقول الفيلسوف كارل بوبر: “إن الطريق الصحيح للاقتراب من الحقيقة أو الإمساك بها، هو اختبار مدى قدرة أفكارنا للبقاء عند محاولة تكذيبها”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.